رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٧
أضف إلى ذلك أنّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أمر في غير واحد من الموارد كتابة حديثه، يجدها المتفحص في مصادرها.[١]
ومع هذه الموارد الكثيرة التي رخّص النبيّ فيها كتابة الحديث، والعمل به، لا يبقى أيُّ شك في موضوعية ما روي عنه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «من كتب عنّي غير القرآن فليمحه».
ثانياً: هل يصحّ أن يأمر اللّه سبحانه بكتابة الدين حفظاً له، واحتياطاً عليه، وفي الوقت نفسه ينهى نبيّه عن كتابة الحديث الذي يعادل القرآن في الحجّية؟!
ثالثاً: العجب من الأُستاذ أنّه سلّم وجه المنع، وهو أن لا يختلط الحديث بالقرآن، وقد نحته الخطيب البغدادي[٢] في كتاب «تقييد العلم»[٣]مع انّه غير تام، لأنّ القرآن الكريم في أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته، فلا يخاف على القرآن الاختلاط بغيره مهما بلغ من الفصاحة والبلاغة، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم، وهدم أُصوله.
والكلمة الفصل أنّ المنع عن كتابة الحديث كان منعاً سياسيّاً صدر عن الخلفاء لغايات وأهداف خاصّة، والخسارة التي مُني الإسلام والمسلمون بها من جرّاء هذا المنع لا تجبر أبداً، وقد فصلنا الكلام في فصل خاص من كتابنا بحوث في الملل والنحل.[٤]
[١]سنن الترمذي: ٥ / ٣٩، باب كتابة العلم، الحديث ٢٦٦٦ ; سنن الدارمي: ١ / ١٢٥، باب من رخص في كتابة العلم; سنن أبي داود: ٢ / ٣١٨، باب في كتابة العلم، ومسند أحمد: ٢ / ٢١٥ وج: ٣ / ١٦٢.
[٢]أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (٣٩٢ ـ ٤٦٣ هـ) مؤلّف تاريخ بغداد.
[٣]تقييد العلم: ٥٧ .
[٤]لاحظ: الجزء الأوّل من الكتاب المذكور: ٦٠ ـ ٧٦ .