رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣١
صحيح سوف لا تكون المعرفة الدينية جزمية، وستفقد المقولات الدينية معانيها، وتغمرها الحالة الشاعرية. وكان لنا حديث سابقاً عن هذا الموضوع.
٣. «الوحي تجربة دينية، وتستخلص حقيقتها من شهود وإدراك اللّه مباشرة وتجلّيه لأنبيائه، وليس ضرورياً أن يصاحب ذلك تلقي رسالة أو أوامر. وتعاليم الأنبياء، أعمّ من التعاليم الخبرية كالعقائد، أو الإنشائية كالأحكام، هي انعكاس لما يفهمونه منها، وحتى لو فرضنا انّ محتوى الرسالات نازل من اللّه لكن ألفاظها ليست منه، وعليه الأنبياء ما يتلقّونه في قوالب لفظية طبقاً لذهنياتهم، وحينئذ سيكون من السهل أن يتأثروا في مقام التعبير بظروفهم الخاصة، وسوف لا يكون هناك ما يضمن صحّة فهمهم، إذاً فهؤلاء بشر، ويتأثرون كغيرهم بالظروف السائدة.
إنّ اقتصار الوحي على شهود وإدراك اللّه من غير واسطة إنكار للوحي الذي هو أساس الشرائع السماوية، وكلّما اقتصر الوحي في الشهود فيكون حقيقة قائمة في شخص الرسول، فلا يمكنه أن يكون أُسوة وقدوة، وإنّما نصل إلى الفوز والسعادة من خلال النصوص التي تتجلى للأنبياء على هيئة تعاليم دينية. وكلّما اشتملت هذه التعاليم على أبعاد بشرية، بما فيها نتاج الرسول، فستأخذ صيغة بشرية وستنخفض قيمتها، ولا يبقى ما يوجب الالتزام بها. وهذا النمط من التفسير للوحي مخالف للكتاب، يقول تعالى: (وَالّذي أَوحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ)[١]. وهذه الآية تأكّد بوضوح انّ القرآن ـ المحتوى واللفظ ـ وحي إلهي وليس نتاجاً لذهنية الرسول.
[١]فاطر:٣١.