رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧١
الأساليب والسبل، من اتهام صاحب الرسالة بالسحر والجنون، إلى تعذيب المعتنقين والمؤمنين بها، إلى ضرب الحصار الاقتصادي عليهم، للحيلولة دون وصول الوافدين إلى مكّة لسماع دعوته، إلى أن أجمعوا أمرهم على إنهاء حياته وإطفاء نوره بقتله في داره غيلة، لكنّ اللّه سبحانه حال بينهم وبين أُمنيّتهم الخبيثة، وردّ كيدهم إلى نحورهم، فخيّب رجاءهم بإخبار الرسول بالمؤامرة والمكيدة، فلم ير النبي الأعظم بدّاً من مغادرة مكّة متوجّهاً إلى يثرب، ولمّا نزل دار مهجره، اجتمع حوله رجال من الأوس والخزرج فبايعوه ووعدوه بالنصر والمؤازرة، تأكيداً للبيعة التي أجراها نقباؤهم مع النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في «منى» أيّام إقامته في مكّة فصار النصر حليفه، والتقدم في مسير الدعوة أليفه.
ولكنّ خصماءه الألدّاء ما تركوه حتى بعد مغادرة موطنه، فأخذوا يشنّون عليه الغارة المرة بعد الأُخرى، ويحزبون الأحزاب عليه، ويستعينون باليهود وبمشركي الجزيرة عامّة ليطفئوا نور اللّه، واللّه متم نوره ولو كره الكافرون، فهم أرادوا شيئاً، واللّه سبحانه أراد شيئاً آخر، فإذا قضى أمراً إنّما يقول له كن فيكون.
وعندئذ أخذت الدعوة الإلهية بالتقدم و الانتشار في أكثر الأصقاع والربوع من الجزيرة العربية، بعونه و مشيئته سبحانه، وبهمّة أصحابه وأتباعه وتضحياتهم فبدت بوادر اليأس على الأعداء وأذعنوا إلى حدّ ما بأنّهم ليسوا قادرين على إيقاف ركب الدعوة وعرقلة مسيرها إلاّ أنّه بقيت لهم نافذة رجاء هي أنّ صاحب الدعوة ـ على حدّ زعمهم ـ ليس له عقب يخلفه، فهو يموت وتموت معه دعوته، ويعود الأمر على ما كان عليه، وتصبح الأرض خالصة للوثن والوثنيين فكانوا ينتظرون ذلك اليوم، وإليه يشير سبحانه: (أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَربَّصُ به رَيْب المَنُون* قُل تربَّصُوا فَإِنّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَربّصِين* أَمْ تَأْمُرهُمْ أَحلامُهُم بِهذا أَمْ هُمْ قَومٌ