رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١٢
منحصرة بهما، وليس اليهود ولا النصارى أبناء اللّه وأحباءه، والهداية لا تحوم حول اليهودية والنصرانية، وإنّما تتوقف على الإيمان باللّه والعمل الصالح، لا على شروطهم وتمنّياتهم: (تِلْكَ أَمانِيّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرهانكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين* بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجهَهُ للّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون) .[١]
فهدف الآية ليس الاعتراف ببعض هذه الأديان، بل هدفها تأكيد شرطي السعادة في جميع الشرائع، بالإيمان والعمل الصالح، وليس الانتساب إلى اليهودية والنصرانية أو أي فصيل آخر، لأنّ الإيمان لا يجدي نفعاً ما لم يكن مصحوباً بالعمل الصالح.
بل انّ اليهود المتكبّرين يعتقدون انّهم الشعب المختار وأحباء اللّه، وعليهم أن يستعبدوا الآخرين. وتصوّر النصارى، في ضوء عقيدتهم ـ بأنّ المسيح فدى نفسه لتفادي الذنوب، وقضية العشاء الرباني وصكوك الغفران التي يمنحها القساوسة ـ انّهم مصانون. والنتيجة انّ كلا الفريقين قد جانب التعاليم الإلهية من الناحية العملية، لذا حذّر القرآن من هذا النمط من الفكر الذي يعيق التغيير في الروح الإنسانية، وأكّد انّ ما تقدّم ليس ملاكاً في النجاة وإنّما النجاة مشروطة بالإيمان والعمل الصالح.
فليس للآية الكريمة أدنى ارتباط بالاعتراف بهذه الشرائع على مدى الازمان، بل تريد الآية أن تؤكد أصلاً واحداً معتبراً في جميع الشرائع، وهو انّ الأسماء والألقاب والأنساب ليست دواعي للنجاة، بل على الجميع أن يتسلّحوا بالإيمان والعمل الصالح، والآية ليست بصدد بيان خصائص الشريعة التي يجب أن نتبعها في حياتنا ولا خصوصيات العمل الصالح، وما هو مصدره من بين الشرائع.
[١]البقرة:١١١ـ ١١٢.