رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٥
المفسدة كذلك.
إنّ استكشاف العقل المصالح والمفاسد إنّما يقع ذريعة للتشريع إذا كان المورد من قبيل «منطقة الفراغ» أي لم يكن للشارع هناك حكم بالإلزام بالفعل أو الترك، وأمّا إذا كان هناك حكم شرعي قطعي فلا يصح للمستنبط تغيير الحكم بالمصالح والمفاسد المزعومة، فانّه يكون من قبيل تقديم المصلحة على النص، وهو أمر غير جائز، وقد عرفت في صدر البحث انّ تأثير الزمان والمكان إنّما هو في الأحكام الاجتهادية دون الأحكام المنصوصة.
والحاصل انّه إذا كان هناك نص من الشارع ولم يكن الموضوع من قبيل (منطقة الفراغ) فلا معنى لتقديم المصلحة على النص، فانّه تشريع محرّم يكون ذريعة للتخلص من الالتزام بالأحكام الشرعية.
وبذلك يعلم أنّ ما صدر من بعض السلف في بعض الموارد من تقديم المصالح على النصوص قد جانب الصواب بلا شكّ كالمثال التالي:
دلّ الكتاب والسنّة على بطلان الطلاق ثلاثاً، من دون أن يتخلّل بينها رجوع أو نكاح، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة أو كرّر الصيغة فلا يحتسب إلاّ طلاقاً واحداً. وقد جرى عليه رسول اللّه والخليفة الأوّل وكان ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ لا يمضي من الطلقات الثلاث إلاّ واحدة منها، وكان الأمر على هذا المنوال إلى سنتين من خلافة الخليفة الثاني، وسرعان ما عدل عن ذلك، قائلاً : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.[١]
إنّ من المعلوم أنّ إعمال الرأي فيما فيه نصّ من كتاب أو سنّة، أمر خاطئ، ولو صحّ إعماله فإنّما هو فيما لا نصّ فيه، و مع ذلك جاء الآخرون يبرّرونه بتغيّر
[١]مسلم: الصحيح: ٤ / ١٨٣، باب الطلاق الثلاث، الحديث ١.