رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥٣
وقد أخرج مسلم هذه الرواية بأسانيد مختلفة، وللقارئ الكريم أن يتدبر في معنى الحديث حتى يظهر له المراد من هؤلاء الخلفاء الاثني عشر الذين أُنيطت بهم عزة الإسلام، وقد جاءوا واحداً تلو الآخر عبر الزمان، وهو لا ينطبق إلاّ على الأئمّة الاثني عشر، أوّلهم علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ و آخرهم القائم المهدي ـ عليه السَّلام ـ .
فهل يتصور الكاتب أنّ هؤلاء هم الأمويون أو العباسيون الذين ضرّجوا الأرض بدماء الأولياء والصلحاء، و هل يزيد بن معاوية أحد من انيط به عزّ الإسلام وهو الذي يشرب الخمر و يرفع عقيرته، ويقول:
ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل
لإِهلّوا واستهلّوا فرحاً * ثمّ قالوا: يا يزيد لا تشل
لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء و لا وحي نزل
وأمّا الأمر الثاني أي تعارض آراء الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ ، فنقول: نعم كان للتقية دور في الإفتاء وفق هوى الجهاز الحاكم صيانة لأنفسهم وأنفس شيعتهم، حيث إنّ الجهاز الحاكم قد مارس ضغوطاً على الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ وشيعتهم للحد من نشاطهم، وقد أعمل فيهم السيف بغية صهر هويتهم، و في مثل هذه الظروف العصيبة والقاسية يبيح العقل والنقل الإفتاء على وجه التقية، وقد كان الضغط على أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ بمكان يفرض عليهم بعض الأحيان الانصياع لحكم الحاكم في يوم الشكّ من شوال، فقد أفطر الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ وهو يعلم أنّه يوم من شهر رمضان، فسئل عن إفطاره، فقال: «إفطاري يوماً وقضاؤه، أيسر عليَّ من أن تضرب عنقي»[١].
[١]الوسائل: ٧ / ٩٥ .