رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٩
وقال القرطبي: لم يلعن النبي كلّ امرأة تزور القبور بل لعن المرأة التي تزور القبور دوماً، والدليل على ذلك قوله ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : زوّارات القبور، وكلمة «زوار» هي صيغة المبالغة وتدلّ على الكثرة والتكرار.[١]
أقول: إنّ أمر هذا الحديث دائر بين كونه منسوخاً أو مخصصاً، فلو ورد قبل الترخيص كان عموم الترخيص «فزوروا» ناسخاً والحديث منسوخاً وإن ورد بعد الترخيص يكون مخصصاً، فإذا دار أمره بين كونه متروكاً أو معمولاً به فلا يحتج به.
الثاني: ما أخرجه ابن ماجة عن أبي الحنفية بن علي، قال: خرج رسول اللّهـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ فإذا نسوة جلوس، فقال: ما يجلسكنَّ؟ قلنَ: ننتظر الجنازة.
قال: هل تغسلن؟ قلن: لا، قال: هل تحملن؟ قلن: لا.
قال: هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا.
قال: فأرجعنَ مأزورات غير مأجورات.[٢]
انّ الحديث قاصر سنداً ودلالة.
أمّا السند ففيه دينار بن عمر (أبوعمر).
قال أبو حاتم في حقّه : إنّه ليس بالمشهور، وقال الأزدي: متروك، وقال الخليل في الإرشاد: كذّاب، وقال ابن حبان: يخطئ.
فهل يمكن أن يستدل بحديث كهذا.
وأمّا الدلالة ففيها أوّلاً: أنّ النبيّ ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ يذم النسوة اللواتي لم يكن لهنّ أيّة مسؤولية في تجهيز الميّت، وإنّما جلسنَ للنظر والمشاهدة، وإلاّ فلو كان لهنّ مهمة
[١]القرطبي.
[٢]سنن ابن ماجة: ١/٥٠٢، باب ما جاء في اتباع النساء الجنائز، الحديث ١٥٧٨.