رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠
و هذه الكلمة الأخيرة: «وتحريم ما عداها» تكشف عن أعظم المصائب على الإسلام حيث إنّه قد مضى على الإسلام ما يقرب من سبعة قرون و مات فيها على دين الإسلام ما لا يحصي عددهم إلاّربّهم ولم يسمع أحد من أهل القرنين الأوّلين اسم المذاهب أبداً ، ثمّ فيما بعد القرنين كان المسلمون بالنسبة إلى الأحكام الفرعية في غاية من السعة والحرية، كان يقلد عاميّهم من اعتمد عليه من المجتهدين، وكان المجتهدون يستنبطون الأحكام عن الكتاب والسنّة على موازينهم المقررة عندهم في العمل بالسنّة النبوية، فأي شيء أوجب في هذا التاريخ على عامة المسلمين: «العامي المقلّد والفقيه المجتهد» أن لا يخرج أحد في الأحكام الشرعية عن حد تقليد الأئمّة الأربعة، وبأي دليل شرعي صار اتّباع أحد المذاهب الأربعة واجباً مخيراً، والرجوع إلى ما ورائها حراماً معيّناً.
والعجب انّ الشيخ محمد زاهد الكوثري (١٢٩٦ـ ١٣٧١هـ) مممّن يهاجم فتح باب الاجتهاد وكسر حصر المذاهب الأربعة ويصفه بأنّ «اللا مذهبية قنطرة اللا دينية» و أنا أتعجب من هذا المحقّق كيف وصف هذه الموهبة الإلهية بما ذكره مع أنّ الالتزام بمذهب خاص وعدم التجاوز عنه كان أمراً مسلماً قبل الأئمّة الأربعة، فهل يمكن أن نقول إنّ: «اللامذهبية قنطرة اللا دينية»؟!
وحقيقة الأمر انّ الإسلام لم يفرض على مكلف تقليد أحد الأئمة الأربعة، فلو قلنا بأنّه يجوز تقليد مجتهد، حياً كان أو ميتاً يجوز تقليد كلّ من أراد من المجتهدين الماضين إذا كان مذهبه الفقهي واصلاً إلى المكلف عن طريق معتبر، وإن قلنا بشرطية الحياة في المجتهد فعلى كلّ مكلف أن يقلّد أي مجتهد حي.
وأمّا على أُصول الإمامية فبما انّ تقليد الميت باطل من رأس، كما أنّ تقليد الأعلم فرض و معه لا يجوز تقليد غيره، فيجب على كلّ مكلّف تقليد المجتهد