رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٥
يقف موقف قائد يحبط بتدبيره الرصين، كلّ مؤامرة محتملة ضد الدعوة الناشئة وأُمّته الفتيّة، إذ كان من المحتمل جدّاً أن يتّفق العدوّ الخارجي مع الداخلي ويتحد هذا الثلاثي الناقم على الإسلام على محو الدين وهدم كلّ ما بناه الرسول الأكرم طيلة ثلاثة وعشرين عاماً ويُضيع كلّ ما قدمه المسلمون من تضحيات غالية في سبيل إقامة صرح الدين.
أفيصحّ عند ذاك ترك أمر الزعامة إلى الأُمّة الفتية التي لم تمرّ عليها إلاّعدّة أعوام قليلة ولم تكتسب فيها تجارب كافية ولم تتدرع أمام الأخطار المحدقة؟ وهو يعلم أنّه لو توفّر للأُمّة قائد محنّك متفق عليه لقامت في وجه الأعداء قيام رجل واحد، وصدّت جميع محاولاتهم العدوانية بنجاح، وبالتالي ستنجو الأُمّة من التفرّق والتشرذم والسقوط والفشل بعد غياب رسول اللّه.
النزعة القبلية ومشكلة القيادة
لقد برزت في حياة المسلمين مشكلة أُخرى كانت تصدّ النبي عن تفويض القيادة إلى رأي الأُمّة، وهي مشكلة النزعة القبلية التي كانت سائدة على المجتمع الإسلامي يومذاك والتي تتميز بالخضوع المطلق لسيد القبيلة وزعيمها ورفض سلطة الآخرين.
فهل يسوغ للنبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أن يترك مصير الخلافة لأُمّة هذه حالها، خصوصاً بعد ما كان النبي واقفاً على ما بين الأوس والخزرج من نزاع و ما بين المهاجرين والأنصار من خلاف، وقد شهد خلافهم بأُمّ عينيه في غزوة بني المصطلق،[١]كما شاهد نزاع الحيّين(الأوس والخزرج) في قصة الإفك[٢] إلى غير ذلك من المشاجرات
[١]السيرة النبوية: ٢/٩١.
[٢]صحيح البخاري: ٥/١٠١.