رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٧
و مع أنّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ لم يقرأ و لم يكتب قبل بعثته ولو مرّة واحدة، ومع ذلك كان المعاندون يتهمونه بوضع الكتاب ونسبته إلى اللّه، كما يحكيه سبحانه عنهم: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانهُ عَليهِ قَومٌ آخَرونَ فَقَدْ جاءوا ظُلْماً وَزُوراًوَقالُوا أَساطِيرُ الأوّلينَ اكْتَتَبَها فَهيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصيلاً)[١] .
فهو على رغم انّه لم يقرأ ولم يكتب، اتّهموه ـ ظلماً ـ بوضع الكتاب ودسّه ونسبته إلى اللّه، فكيف إذا كان ممارساً للقراءة والكتابة أمام الناس منذ طفولته إلى شبابه ثمّ كهولته؟!
إنّ سلب نعمة الكتابة والقراءة عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ كسلب نضد الشعر عنه، يقول سبحانه: (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعرَ وَما يَنْبَغي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرآنٌ مُبِين)[٢] .
وينبغي الإشارة إلى أنّ سلب القراءة والكتابة لا يعني عدم علمه بإسرار الكون و رموزه وما يسود عليه من نظام و قوانين، بل انّ اللّه سبحانه قد أوقفه على حقائق الموجودات من طريق آخر غير الكتابة والقراءة، وبذلك انتفت الحاجة إليهما، و قد عرفت ما في كلام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في حقّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ لما قال: «ولقد قرن اللّه من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله و نهاره».[٣]
وكفى في علم النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ انّه سبحانه وصف علمه بالعظمة، وقال:
(وَأَنْزَل اللّهُ عَلَيْكَ الكِتاب وَالحِكْمَة وَعلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَم فَكانَ فَضْل اللّه عَليك عَظيماً)[٤].
[١]الفرقان: ٤ ـ ٥.
[٢]يس : ٦٩.
[٣]نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
[٤]النساء: ١١٣.