رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٦
وعلى هذا فالمراد من الأُمّيين المقابل لأهل الكتاب من لا يجيدون القراءة والكتابة بشهادة سريان الأُمية إلى قاطبة العرب في عصر الرسالة لا من يجيد القراءة والكتابة ولكنّه لا يعرف العبري ولا السرياني.
من وراء الكواليس
قد أكرم اللّه نبيّه وأعظمه وأنعم عليه ما لم ينعم على غيره، ولكنّه سلب عنه موهبة القراءة والكتابة، وما ذلك إلاّلهدف سام وهو نفي ريب المبطلين وشك المشككين، إذ لو كان الرسول في برهة من عمره تالياً للكتب وممارساً لها لصار للبسطاء من أُمّته والمعاندين أن يرتابوا في رسالته وقرآنه، ويتوهموا انّ ما جاء به من السور والآيات فإنّما تلقاها من الصحف الدينية وصاغها وسبكها في قوالب فصيحة تهتز منها النفوس وترتاح إليها القلوب.
فلإزاحة هذه التهمة وسدّ باب هذا الوهم سلب عنه سبحانه هذه الموهبة، ولذلك كان النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ يحتج على أنّ كتابه، رسالة سماوية وليس من صنيع نفسه وفكره بما أمره اللّه إليه أن يقول:
(قُلْ لَوْ شاءَ اللّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُون)[١] .
كما أنّه سبحانه يذكر ما ذكرناه من حكمة السلب بقوله :(وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتاب وَلا تَخُطُّهُ بِيَمينِكَ إِذاً لارتابَ المُبْطِلُون)[٢] .
ومن المعلوم انّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم، حيث يقول: (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتاب) .
[١]يونس: ١٦.
[٢]العنكبوت: ٤٨.