رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٠
ثمّ يقول: (ما كنت تَدري مَا الكتاب ولا الإِيمان) أي لولا الوحي ما كان من شأنك الوقوف على تفاصيل ما في الكتاب، ولا على تفاصيل ما يجب الإيمان به،فالعلم التفصيلي بمضامين الكتاب وما فيه من الأُصول والتعاليم والقصص ثمّ الإذعان والإيمان بتلك التفاصيل حصل عند نزول الوحي، ولولاه لما كان هناك علم ولا إيمان.
وبما انّ القرآن يفسر بعضه بعضاً، فهناك آيتان تفسّران كلاً من الأمرين .
أمّا قوله: (ما كُنْت تَدري مَا الكتاب ) ، فيفسره قوله (تِلكَ مِن أنباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إليكَ ما كُنتَ تَعْلَمُها أنتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فَاصْبِر إنَّ العاقبةَ للمُتّقين)[١]فالآية صريحة في أنّ النبي لم يكن عالماً بتفاصيل الأنباء وإنّما وقف عليها عن طريق الوحي، فعبر عن عدم وقوفه عليها في هذه الآية، بقوله: (ما كنت تعلمها أنت ولا قومك) .
وأمّا قوله: (وَلاَ الإِيمان) فيفسره قوله: (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وََ مَلائِكتِهِ وَ كُتِبه وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ المَصير)[٢]فقوله : (آمَنَ الرَّسُول بِما أُنْزِل إِليه) صريح في أنّ متعلّق الإيمان الحاصل بعد الوحي، الإيمان بما أُنزل إليه من تفاصيل الكتاب، لا الإيمان باللّه وتوحيده.
و جميع هذه الآيات تشير إلى تكريمه سبحانه نبيّه وإنعامه عليه الذي جاء في الآية التالية: (و َأنزَلَ عَليكَ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظيماً) [٣].
[١]هود: ٤٩.
[٢]البقرة: ٢٨٥.
[٣]النساء: ١١٣.