رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٦
عند الكاتب ـ كالأوّل موجب لتغيير الأحكام الفقهية الاجتهادية المقرّرة قبله إذا أصبحت لا تتلاءم معه، لأنّها تصبح عندئذ عبثاً أو ضرراً، والشريعة منزّهة عن ذلك، وقد قال الإمام الشاطبي(المتوفّى٧٩٠ هـ) في الموافقات :لا عبث في الشريعة.
ثمّ طرح لها أمثلة وإليك بيانها:
١. ثبت عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أنّه نهى عن كتابة أحاديثه، وقال لأصحابه:«من كتب عني غير القرآن فليمحه» واستمر الصحابة والتابعون يتناقلون السنّة النبوية حفظاً وشفاهاً لا يكتبونها حتى آخر القرن الهجري الأول عملاً بهذا النهي.
ثمّ انصرف العلماء في مطلع القرن الثاني بأمر من الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، إلى تدوين السنّة النبوية، لأنّهم خافوا ضياعها بموت حفظتها ورأوا أنّ سبب نهي النبي ـ عليه السَّلام ـ عن كتابتها إنّما هو خشية أن تختلط بالقرآن، إذ كان الصحابة يكتبون ما ينزل منه على رقاع، فلمّا عمَّ القرآن وشاع حفظاً وكتابة، ولم يبق هناك خشية من اختلاطه بالحديث النبوي، لم يبق موجب لعدم كتابة السنّة، بل أصبحت كتابتها واجبة لأنّها الطريقة الوحيدة لصيانتها من الضياع.[١]
أقول: إنّ ما ذكره من أنّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ نهى عن كتابة حديثه غير صحيح من وجوه:
أوّلاً: روى البخاري أنّ رجلاً من أهل اليمن طلب من النبي أن يكتب له خطبته فقال: اكتب لي يا رسول اللّه، فقال: اكتبوا لأبي فلان إلى أن قال: كتبت له هذه الخطبة.[٢]
[١]المدخل الفقهي العام: ٢ / ٩٣٣ ، وفي الطبعة العاشرة في ترقيم الصفحات في المقام تصحيف.
[٢]البخاري: الصحيح: ٢٩، باب كتابة العلم.