مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٧٦ - الرابع و الأربعون الريح التي حملت صوته
فقالوا: أنتم أشرّ من اليهود و النصارى و المجوس! لأنّ هؤلاء يؤدّون الجزية و أنت لا تؤدّون.
فقال لهم أبي: افتحوا لنا الباب و أنزلونا و خذوا منّا الجزية كما تأخذون منهم، فقالوا: لا نفتح و لا كرامة لكم حتى تموتوا على ظهور دوابكم جياعا نياعا [١] أو تموت دوابّكم تحتكم. فوعظهم أبي: فازدادوا عتوا و نشوزا [٢].
قال: فثنى أبي رجله عن سرجه، ثمّ قال لي: مكانك يا جعفر لا تبرح، ثم صعد الجبل المطلّ على مدينة «مدين» و أهل مدين ينظرون إليه ما يصنع، فلمّا صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة وحده، ثمّ وضع إصبعيه في أذنيه، ثم نادى بأعلى صوته وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً- الى قوله- بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [٣] نحن و اللّه بقية اللّه في أرضه.
فأمر اللّه تعالى ريحا سوداء مظلمة، فهبّت و احتملت صوت أبي، فطرحته في أسماع الرجال و النساء و الصبيان، فما بقي أحد من الرجال و النساء و الصبيان إلّا صعد السطوح، و أبي مشرف عليهم؛ و صعد فيمن صعد شيخ من أهل «مدين» كبير السنّ، فنظر الى أبي على الجبل، فنادى بأعلى صوته: اتّقوا اللّه يا أهل «مدين» فانّه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب- (عليه السلام)- حين دعا على قومه، فان أنتم لم تفتحوا له الباب و لم
[١] النوع- بالضم-: إتباع للجوع، و النائع: اتباع للجائع. يقال: رجل جائع: نائع. و اذا دعوا عليه قالوا: و قوح جياع: نياع، و زعم بعضهم أنّ النوع: العطش، و النائع: العطشان (الصحاح).
[٢] أي غلظة.
[٣] هود: ٨٤- ٨٦.