منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٠٩ - رسالة منفردة في لقاء الله تعالى
و بيان هذا القول المنيع الشريف يطلب من كتابه في المبدأ و المعاد حيث قال فيه (ص ٢٨٢): الوحدة الشخصيّة في كلّ شيء ليست على وتيرة واحدة و درجة واحدة فإنّ الوحدة الشخصيّة في الجواهر المجرّدة حكمها غير الوحدة الشخصيّة في الجواهر المادّية، فإنّ في الجسم الواحد الشخصي يستحيل أن يجتمع أوصاف متضادّة و أغراض متقابلة من السواد و البياض و السعادة و الشقاوة و اللذّة و الألم و العلوّ و السفل و الدّنيا و الاخرة و ذلك لضيق حوصلة ذاته و قصر ردائه الوجودي عن الجمع بين الامور المتخالفة بخلاف وجود الجوهر النطقي من الإنسان فإنّها مع وحدتها الشخصيّة جامعة للتجسّم و التجرّد و حاصرة للسعادة و الشقاوة فانها قد يكون في وقت واحد في أعلى علّيّين و ذلك عند تصوّر أمر قدسي، و قد يكون في أسفل سافلين و ذلك عند تصوّر أمر شهويّ، و قد يكون ملكا مقرّبا باعتبار و شيطانا مريدا باعتبار.
و ذلك لأنّ إدراك كلّ شيء هو بأن ينال حقيقة ذلك الشيء المدرك بما هو مدرك بل بالاتّحاد معه كما رآه طائفة من العرفاء و أكثر المشاءين و المحققون و صرّح به الشّيخ أبو نصر فى مواضع من كتبه، و الشّيخ اعترف به في كتابه المسمّى بالمبدإ و المعاد و في موضع من الشفاء حيث قال في الفصل السّادس من المقالة التاسعة من الإلهيّات بهذه العبارة:
ثمّ كذلك حتّى يستوفى في النّفس هيئة الوجود كلّه فينقلب عالما معقولا مقبولا موازيا للعالم الموجود كلّه مشاهدا لما هو الحسن المطلق و الخير المطلق و الجمال الحقّ و متّحدة به و منتقشة بمثاله و هيئاته و منخرطة في سلكه و سائرة من جوهره.
و ممّا يؤيّد ذلك أنّ المدرك بجمع الإدراكات و الفاعل بجميع الأفاعيل الواقعة من الإنسان هو نفسه الناطقة النازلة إلى مرتبة الحواس و الالات و الأعضاء و الصّاعدة إلى مرتبة العقل المستفاد و العقل الفعال في آن واحد و ذلك لسعة وجودها و بسط جوهريّتها و انتشار نورها في الأكناف و الأطراف بل يتطوّر ذاتها بالشئون