منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٩٦ - خاتمة
و كلامه- ره- في النشات الثلاثة الإنسانيّة تشير إلى ما برهنه المتألّه المولى صدرا في الرابع من الأسفار حيث قال قدّس سرّه:
حكمة عرشية: إنّ للنفس الإنسانية نشئات ثلاثة إدراكية: النشأة الاولى هي الصورة الحسيّة الطبيعية و مظهرها الحواس الخمس الظاهرة و يقال لها الدنيا لدنوّها و قربها لتقدمها على الأخيرتين، و عالم الشهادة لكونها مشهودة بالحواس و شرورها و خيراتها معلومة لكلّ أحد لا يحتاج إلى البيان و في هذه النشأة لا يخلو موجود عن حركته و استحالته و وجود صورتها لا تنفك عن وجود مادّتها.
و النشأة الثانية هي الأشباح و الصور الغائبة عن هذه الحواس و مظهرها الحواس الباطنة و يقال لها عالم الغيب و الاخرة لمقايستها إلى الاولى لأنّ الاخرة و الاولى من باب المضاف، و لهذا لا يعرف إحداهما إلّا مع الاخرى كالمتضايفين كما قال تعالى: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ، و هي تنقسم إلى الجنّة و هي دار السعداء، و الجحيم و هي دار الأشقياء، و مبادى السعادات و الشقاوات فيهما هي الملكات و الأخلاق الفاضلة و الرذيلة.
و النشأة الثالثة هي العقليّة و هي دار المقرّبين و دار العقل و المعقول و مظهرها القوّة العاقلة من الإنسان إذا صارت عقلا بالفعل، و هي لا تكون إلّا خيرا محضا و نورا صرفا فالنشأة الاولى دار القوّة و الاستعداد و المزرعة لبذور الأرواح و نبات النيّات و الإعتقادات، و الاخريتان كلّ منهما دار التمام و الفعلية، و حصول الثمرات و حصاد المزروعات.
و قد أفاد قدّس سرّه هذا المطلب الأرفع الأعلى في عدّة مواضع من الأسفار فراجع إلى ص ١٧، و ص ٢١، و ص ٩٧، و ص ١٣١ من ج ٩.
و إذا دريت أنّ الصورة الإنسانية هي مجموع صور عالمي الأمر و الخلق فادر أيضا أنّ الإنسان إذا كان مراقبا لقلبه و حارسا له عن ولوج الأجانب و الأغيار، و ناظرا إلى ربّه و مستشعرا جانب اللّه عزّ و جلّ و منصرفا بفكره إلى قدس الجبروت مستديما لشروق نور الحقّ في سرّه يلوح له ملكوت