منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٠٨ - خاتمة
الملكوت الأعلى.
فقل للباكين ممّن طبعه أن يبكى من الأشياء المخزونة ينبغي أن يبكى و يكثر البكاء على من يهمل نفسه، و ينهك من ارتكاب الشهوات الحقيرة الخسيسة الدنيّة المموّهة الّتي تكسبه الشرّة (الشره- خ ل) و تميل بطبعه إلى طبع البهائم و يدع أن يتشاغل بالنظر في هذا الأمر الشريف و التخلّص إليه، و يطهّر نفسه حسب طاقته، فإنّ الطهر الحقّ هو طهر النفس لا طهر البدن فإنّ العالم الحكيم المبرّز المتعبد لباريه، إذا كان ملطّخ البدن باكماة فهو عند جميع الجهّال، فضلا عن العلماء أفضل و أشرف من الجاهل الملطّخ البدن بالمسك و العنبر.
و من فضيلة المتعبّد للّه الذي قد هجر الدّنيا و لذّاتها الدنيّة أنّ الجهّال كلّهم إلّا من سخر منهم بنفسه يعترف بفضله و يجلّه و يفرح أن يطلع منه على الخطاء.
فيا أيها الإنسان الجاهل ألا تعلم أنّ مقامك في هذا العالم إنما هو كلمحة ثمّ تصير إلى العالم الحقيقى، فتبقى فيه أبد الابدين؟ انتهى كلام الكندي تغمده اللّه بغفرانه.
(٢) و روى الكليني أعلى اللّه مقامه في باب حقيقة الإيمان و اليقين من كتاب الايمان و الكفر من جامعه الكافي (ص ٤٤ ج ٢ من المعرب) باسناده عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد اللّه ٧ يقول: إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله صلّى بالنّاس الصبح فنظر إلى شابّ في المسجد و هو يخفق و يهوى برأسه، مصفرّا لونه، قد نحف جسمه، و غارت عيناه في رأسه، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله كيف أصبحت يا فلان؟
قال: أصبحت يا رسول اللّه موقنا، فعجب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من قوله و قال: إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال: إنّ يقينى يا رسول اللّه هو الّذي أحزننى و أسهر ليلي و أظمأ هو اجرى فعزفت نفسي عن الدّنيا و ما فيها حتّى كأنّى أنظر إلى عرش ربّى و قد نصب للحساب و حشر الخلائق لذلك و أنا فيهم، و كأنّى أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة و يتعارفون و على الأرائك متكئون، و كأنّى أنظر إلى أهل النار و هم فيها معذّبون مصطرخون، و كأنّى الان أسمع زفير النار