منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٩٥ - خاتمة
يصحّ له أن يعلمها فليست هي عالمة بشيء أصلا و لا لشيء أن يعلمها بعينها كما هي فهى إذا معلومة بالقوّة بمعنى أن في قوّتها أن ينتزع منها عالم صورا فيعلمها أى يتصور بمثل صورها لاستحالة انتقال المنطبعات فى الموادّ فالمعلوم بالذات من كل شيء ليس إلّا صورا إدراكيّة قائمة بالنفس متّحدة معها لا مادة خارجيّة.
فالمعلوم بالفعل ليس إلّا لعالمه فكل عالم معلومه غير معلوم عالم آخر و هو في الحقيقة عالم و علم و معلوم، هذا.
و المقصود من التعرض بهذه التفصيلات التنبيه إلى الفكر في معرفة النفس و كيفيّة الترقي منها إلى معرفة الربّ، و الإستدلال بما يستحكم به تصديق ذلك و أن يتفطّن المبتدي لاصول تنفع في فكره، و إلّا فليس كيفيّة التفكر إلّا أن يشتغل المتفكر تارة لتجزية نفسه، و اخرى لتجزية العالم حتّى يتحقّق له أن ما يعلمه من العالم ليس إلّا نفسه و عالمه لا العالم الخارجى، و أنّ هذه العوالم المعلومة له إنّما هو مرتبة من نفسه و حتّى يجد نفسه لنفسه ما هي؟! ثمّ ينقّى عن قلبه كلّ صورة و خيال و يكون فكره في العدم حتّى تنكشف له حقيقة نفسه أى يرتفع العالم من بين يديه و يظهر له حقيقة نفسه بلا صورة و لا مادّة، و هذا هو أوّل معرفة النفس و لعلّ إلى ذلك اشير في تفسير قوله تعالى: أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ (الزمر: ٢٤) حيث سئل عنه و قال ٧: نور يقذفه اللّه في قلبه فيشرح صدره، قيل: هل لذلك من علامة؟ قال ٧: علامته التّجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و الاستعداد للموت قبل حلول الفوت.
و لعلّ العامّة لا يعتقدون في معنى التجافي إلّا الزهد في شهوات الدنيا، و لا يتصوّرون معنى للتجافي الحقيقي الّذي هو ارتفاع الغرور الواقع في هذا العالم لأهله و عدم رؤية الأشياء كما هي الّذي هو شأن العامّة الّذين لم يبلغوا بعد معرفة النفس بهذه المعرفة، انتهى ما أردنا من نقل كلامه نوّر اللّه تعالى رمسه. و قد أجاد فيما أفاد و كتابه في لقاء اللّه ممتّع جدّا للّه درّه مؤلّفا.