منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١١٥ - المعنى
ثمّ إنّ كلامه هذا فوق كلام البشر، و فوق ما يحوم حوله العبارة عليه مسحة من العلم الإلهي و لعمري أنّه يجري مجرى التنزيلات السّماويّة، لما اشتمل عليه من أمر الخلافة الحقّة، و شأن الحجج الإلهيّة، و أراه كأنّه موج برز من محيط عظيم، أو نور سطع من عالم الأمر الحكيم، لا يتفوّه به إلّا من اصطنعه الله تعالى لنفسه، و لا يقدر على الإتيان به إلّا قائل إنّا لامراء الكلام و فينا تنشّبت عروقه و علينا تهدّلت غصونه، و لا يليق هذا الإدّعاء إلّا لنبيّ أو وصي نبيّ، و لا يصدر نحو هذه الكلمة العليا إلّا من قلب هو عيبة أسرار اللّه جلّ شأنه، و بالجملة:
|
آن كس كه ز كوى آشنائيست |
داند كه متاع ما كجائيست |
|
و قد علمت في تفسير اللّغات أنّ فلانا صنيعي و صنيعتى أى اصطنعته و ربّيته و خرجته و فلان صنيعتك و مصطنعك، قال عزّ من قائل: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (طه ٤٢) أى اصطفيتك و أخلصتك و استخلصتك لنفسى كما قال عزّ من قائل: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً (مريم ٥٢) و قال تعالى: قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي (الاعراف ١٤٥)، قال جار اللّه الزّمخشرى في الكشاف: هذا تمثيل لما خوّله من منزلة التقريب و التكريم و التكليم، مثّل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه و خصائص أهلا لئلّا يكون أحد أقرب منزلة منه إليه و لا يأتمن على مكنون سرّه سواه. انتهى.
و قال النيسابورى في التفسير: اصطنعت فلانا لنفسى إذا اصطفيته و خرجته و معناه أحسنت إليه حتّى أنّه يضاف إليه، و نقل نحوه عن القفّال أيضا، ففيه غاية التشريف و التكريم.
و إذا تأمّلت حقّ التأمل بما أهدينا إليك في الصنيعة تجدها تجري مجري الاصطفاء و الاجتباء و الإخلاص و الاستخلاص فتدبّر في قوله تعالى: وَ اذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَ الْأَبْصارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (ص: ٤٨).