منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٩٠ - خاتمة
عالميه الاخرين أنكره، بل لو أخبره أحد بصفات عالمه العقلى لكفّره، و ذلك لأنّ عالمه الطبيعى له بالفعل و عالميه الاخرين بالقوّة، و لم ينكشف له بالكشف التام إلّا عالم الطبيعة، و آثار من عالم المثال، و شيء قليل من عالمه العقلى.
و انسانيته انما بعالمه العقلي و إلّا فهو مشترك مع سائر بني جنسه من الحيوان في عالميه الاخرين، و إن كان عالماه الاخران أيضا من جهة المرتبة أشرف من عالمى سائر الحيوانات.
و بهذه العوالم الثلاثة و ترتيبها وقع التلويح بل التصريح في دعاء سجدة ليلة النصف من شعبان عن النّبي صلى اللّه عليه و آله حيث قال فيها: و سجد لك سوادي و خيالي و بياضي.
و بالجملة فعالمه الحسّى عبارة عن بدنه الّذي له مادّة و صورة، و عالمه المثالى عبارة عن عالمه الّذي حقائقه صور عارية عن المواد، و عالمه العقلي عبارة عن عالمه الّذي هو حقيقته و نفسه بلا مادّة و لا صورة.
و لكلّ من هذه العوالم لوازم و آثار خاصّة لازمة لفعليّتها، فمن انغمر في عالم الطبيعة و تحقّقت باثارها و تحرّكت بحكمها و ضعفت فيه آثار عالمه العقلي فقد أخلد إلى الأرض و صار موجودا بما هو حيوان بل أضلّ من الحيوان كما هو الصريح في قوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا، و من ترقّى إلى العالم العقلي و غلب آثاره على آثار عالميه الطبيعى و الخيالي و كان الحاكم في مملكة وجوده العقل يصير موجودا روحانيا حتّى يتكامل في العقلانيّة و انكشف له حقيقته و نفسه و روحه فإذا ترتفع عنه الحجب الظلمانية بل النورانيّة أو غالبها بينه و بين معرفة اللّه جلّ جلاله و يتحقّق في حقّه قوله صلى اللّه عليه و آله: من عرف نفسه فقد عرف ربّه.
و إذا تمهّد لك هذه الإجماليات فراجع إلى تفصيل لوازم كل عالم من العوالم و اشتغل بتدبير السفر و توكّل على الرب الرّحيم و استعن منه و توسّل بأوليائه في كلّ جزئي و كلي من شئونك: