منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢٧ - رسالة منفردة في لقاء الله تعالى
فالبحر معكم و أنتم مع البحر، و أنتم في البحر و البحر فيكم، و هو ليس بغائب عنكم، و لا أنتم بغائبين عنه، و هو أقرب إليكم من أنفسكم.
فحين سمعوا هذا الكلام منه قاموا كلّهم إليه و قصدوه حتّى يقتلوه، فقال لهم: لم تقتلوني و لأيّ ذنب أستحقّ هذا؟ فقالوا له: لأنّك قلت البحر الّذي نحن نطلبه هو الّذي نحن فيه و الّذي نحن فيه هو الماء فقط، و أين الماء من البحر فما أردت بهذا إلّا إضلالنا عن طريقه وحيداننا عنه.
فقال كبيرهم: و اللّه ما كان كذلك و ما قلت إلّا الحقّ و الواقع في نفس الأمر لأنّ البحر و الماء شيء واحد في الحقيقة و ليس بينهما مغايرة أصلا، فالماء اسم للبحر بحسب الحقيقة و الوجود، و البحر اسم له بحسب الكمالات و الخصوصيّات و الانبساط و الانتشار على المظاهر كلّها.
فعرف ذلك بعضهم و صار عارفا بالبحر و سكت عنه، و أنكر البعض الاخر و كفر بذلك و رجع عنه مطرودا محجوبا.
و الّذي حكيت عن لسان الحيتان لو حكيته عن لسان الأمواج لكان أيضا صحيحا و كلاهما جائز، و إذا تحقّق هذا فكذلك شأن الخلق في طلب الحقّ فإنّهم إذا اجتمعوا عند نبيّ أو إمام أو عارف و سألوا عن الحقّ، فقال هذا النّبيّ أو الإمام أو العارف: إنّ الحقّ الّذي تسألون عنه و تطلبونه هو معكم و أنتم معه، و هو محيط بكم و أنتم محاطون به، و المحيط لا ينفكّ عن المحاط، و هو معكم أينما كنتم، و هو أقرب إليكم من حبل وريدكم ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا «و هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ و هو ليس بغائب عنكم و لا أنتم بغائبين عنه، أينما توجّهتم فثمّ ذاته و وجهه و وجوده و هو مع كلّ شيء و هو عين كلّ شيء، بل هو كلّ شيء و كلّ شيء به قائم و بدونه زائل، و ليس لغيره وجود أصلا، لا ذهنا و لا خارجا، و هو الأوّل بذاته، و الاخر