منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٠٨ - رسالة منفردة في لقاء الله تعالى
في وحدة ذاتها.
و يعبّرون عن هذا المعنى بالوحدة في عين الكثرة، و الكثرة في عين الوحدة، و يمثّلونه بالنفس الناطقة الإنسانيّة لأنّ كلّ إنسان شخص واحد بالضرورة، قال عزّ من قائل: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ (الأحزاب: ٤) و النّفس النّاطقة مع أنّها واحدة بالشخص هي عين جميع قواها الظاهرة و الباطنة و تلك القوى مع كونها كثيرة هي عين النّفس النّاطقة الواحدة بالشخص.
فالنّفس بالحقيقة هي العاقلة المتوهّمة المتخيّلة الحسّاسة المحرّكة المتحرّكة و غيرها و هي الأصل المحفوظ في القوى لا قوام لها إلّا بها، قال المتألّه السبزواري في بعض تعاليقه على كتابه غرر الفرائد: و الحقّ أنّ وجود النّفس ذا مراتب و أنها الأصل المحفوظ فيها و أنّ كلّ فعل لأيّة قوّة تنسب في الحقيقة فعلها بلا مجاز وجدانيّ، و هذا ذوق أرباب العرفان، قال الشّيخ العربي في فتوحاته:
النّفس النّاطقة هي العاقلة و المفكّرة و المتخيّلة و الحافظة و المصوّرة و المغذية و المنمية و الجاذبة و الدّافعة و الهاضمة و الماسكة و السامعة و الباصرة و الطاعمة و المستنشقة و اللّامسة و المدركة لهذه الامور، فاختلاف هذه القوى و اختلاف الأسماء ليست بشيء زائد عليها، بل هي عين كلّ صورة هذا كلامه.
فأنوار المراتب المسمّاة بالقوى كلّها فانية في نور النّفس النّاطقة، و التنزيه الّذي يراعيه الحكماء إنّما هو لئلّا يقف الأذهان في مراتب جسمها و جسمانيّتها كأذهان الطباعيّة و العوام و هو يرجع إلى تنزيه مرتبة منها هي أعلى مراتبها و هي المسمّاة بذاتها، و البواقي اشراقاتها المتفاضلة، انتهى كلامه- قدّه.
قال صدر المتألّهين قدّس سرّه في الأسفار: إنّ النّفس الإنسانيّة ليس لها مقام معلوم في الهويّة و لا لها درجة معيّنة في الوجود كسائر الموجودات الطبيعيّة و النفسيّة و العقليّة الّتي كلّ له مقام معلوم، بل النّفس الانسانيّة ذات مقامات و درجات متفاوتة، و لها نشئات سابقة و لاحقة، و لها في كلّ مقام عالم و صورة اخرى.