منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢١١ - رسالة منفردة في لقاء الله تعالى
و شنّع على القسم الأوّل و أبطله في مبحث العلّة و المعلول من الأسفار، كما دريت و هذا وجه وجيه شريف دقيق يوافقه البرهان و ذوق العرفان و الوجدان و لا ينافي أمرا.
و رابعة يعقل معنى الوحدة على وجه أدقّ و ألطف من الوجوه المتقدّمة و أعلى و أرفع منها، و الإخلاص في العبادة كما ندب إليه العقل و النقل مقدّمة لحصول هذا المقام المنيع الأسنى، و سلّم للارتقاء إلى هذا المنظر الرفيع الأعلى، و من راقب الإخلاص و الحضور يستعدّ للوصول إلى هذه الرتبة العظمى و الجنّة العليا و فيها ما تشتهى الأنفس و تلذّ الأعين فيرى ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، و قد سلك إليه العرفاء الشامخون.
تقريره: أنه لا شبهة بوجود الكثرة و التعدّد و اختلاف الأنواع و الأصناف و الأفراد، و اللّه جلّ جلاله في إيجاد الممكنات المختلفة و تكوينها، قد ظهر و تجلّى بالحياة و القدرة، و العلم و الإرادة تجلّى المتكلّم الفصيح البليغ في كلامه، و ظهور عاكس كإنسان مثلا في مرائي متعدّدة مختلفة جنسا و لونا و شكلا وجهة و عظما و صغرا و غيرها من الصفا و الكدرة و لا ريب أنّ ما يرى من عكوسه المختلفة في أنحاء كثيرة في تلك المرائي ظهوره فيها لا وجوده فيها، و لا حلوله فيها، و لا اتّحاده معها، و كذا الكلام في تجلّى المتكلّم في كلامه.
فإذا نظر شخص آخر في تلك المرائي و المظاهر يرى عكوس الأوّل المتعدّدة المختلفة فيها، كما يرى تلك المرائي أيضا، فمن وقع نظره على العكوس المتفاوتة بالمحالّ و المجالي من غير أن يجعلها عنوانات للعاكس فهو يزعمها أشياء مستقلّة بذواتها، و قد غاب عن العاكس كما هو مذهب عامّة النّاس.
و من جعل نظره في العاكس فقط بحيث إنّ كلّه مشغول بكلّه، و من فرط العشق به لم يلتفت إلى غيره من الصّور و المرائي، و لم يشاهد في تلك الكثرات و التعيّنات إلّا إيّاه، أعني أصل الصور و صاحبها، فهذا وحدة الوجود في النظر و فناء في الصورة.