كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ١٢٥ - الفصل الثاني و التسعون ما سببية السقيفة من الردة و الاضلال
محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بين أهله على فراش وفاته، كأنه كان عند أهل السقيفة مثل امرأة قد ضجر صاحبها منها مما يمتنعه من سوء الارادة و لا ترجى الولادة، فصاحبها مستقيل من حياتها، و إذا ماتت فرح بمماتها.
و كان من جملة حقوقه عليه السّلام بعد وفاته و خاصة يوم الممات أن يجلس المسلمون كلهم على التراب بل على الرماد، و يلبسوا أفضل ما يلبسه أهل المصائب من السواد، و يشتغلوا ذلك اليوم خاصة عن الطعام و الشراب، و يشترك الرجال و النساء في النياحة و البكاء و المصائب، و يكون يوما ما كان مثله في الدنيا و لا يكون. فما كان يتعذر أن يجمعوا بين طلب الولاية و بين حقوق مصابه العظيم، الذي لا يجوز أن يهون فكيف جاز في عقل أو شرع أن ينقضي ذلك اليوم بالمخاصمات على الحطام فيا لها من نكبة و فضيحة عليهم تبكي منها القلوب و العيون.
و من أعجب ما رأيته في كتب المخالفين و
قَدْ ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُ[١] فِي تَأْرِيخِهِ مَا مَعْنَاهُ:
إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ تُوُفِّيَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَ مَا دُفِنَ إِلَى لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ.
وَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى دُفِنَ[٢].
وَ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ الثَّقَفِيُّ فِي كِتَابِ (الْمَعْرِفَةِ) فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ تَحْقِيقاً أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى دُفِنَ، لِاشْتِغَالِهِمْ بِوَلَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَ الْمُنَازَعَاتِ فِيهَا.
وَ مَا كَانَ يَقْدِرُ أَبُوكَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُفَارِقَهُ، وَ لَا أَنْ يَدْفِنَهُ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ عَلَيْهِ، وَ لَا كَانَ يُؤْمِنُ أَنْ يَقْتُلُوهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، أَوْ يَنْبُشُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ يُخْرِجُوهُ، وَ يَذْكُرُوا أَنَّهُ دَفَنَهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ دَفْنِهِ، أَوْ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ،
[١] هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، أبو جعفر، المفسّر الكبير صاحب( جامع البيان)، أصله من طبرستان، مات سنة ٣١٠ ه. قال ابن حجر في لسان الميزان: ثقة صادق، فيه تشيع يسير، و موالاة لا تضر. و إنما نبذ بالتشيع لأنه صحح حديث الغدير. و حكى الذهبي في التذكرة عن الفرغاني: انه لما بلغه أن ابن أبي داود تكلم في حديث غدير خم، عمل كتاب الفضائل، و تكلم على تصحيح الحديث.
انظر: البداية و النهاية ١١: ١٤٥، تذكرة الحفاظ ٢: ٢٥١، طبقات المفسرين: ٣٠، لسان الميزان ٥: ١٠٠.
[٢] تاريخ الطبري ٣: ٢١١.