كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ١٢٠ - الفصل الحادي و التسعون عودة أبي بكر و عمر من جيش اسامة
جمع الذين يخالفون على أبيك عليّ عليه السّلام في الخلافة، و من يوافقهم أو يحسده أو يعاديه، و جعلهم جميعا في جيش اسامة و تحت رايته، و حثّ على خروجهم من المدينة حثّا شديدا زائدا على عادته، لتخلو المدينة من المعارضين و المعاندين، و يصفوا الأمر لأبيك أمير المؤمنين، أو ليكون ذلك حجة له عليه السّلام في الاجتهاد في منعهم بكل طريق، و ليظهر منهم ما يبطنونه من مخالفته بسوء التوفيق.
فعاد أبو بكر من جيش اسامة و فسخ بذلك ما أراد جدك محمّد صلّى اللّه عليه و آله من التوصل في الامامة التي بها سلامة الاسلام و المسلمين و سعادتهم إلى يوم الدين، و قال للنبي صلّى اللّه عليه و آله: ما كنت لأقف عند اسامة و أسأل عنك الركب. و نفذ يلتمس عمر من الجيش، و قال أبو بكر لاسامة: تأذن له في العودة إلى المدينة، فكان جواب اسامة: إن عمر قد عاد بغير إذني و أذن لنفسه.
و ما كفاه ذلك حتى صار إلى الأنصار، و هم في السقيفة على حال يجب أن يقابلوا عليها بالإنكار، فساعدهم على الاصرار، و ما كفاه ذلك حتى أخذ الأمر لنفسه بالحيلة و وعدهم- كما ذكره البخاري و مسلم في صحيحيهما و غيرهما- أنه يكون الأمراء من المهاجرين و الوزراء من الأنصار، و لما تمكن لم يولّ أحدا منهم وزيرا و أظهر أنه كان محتالا، و فضح نفسه بين أهل الاعتبار.
أقول: و ما كفاه ذلك حتى بعث عمر إلى باب أبيك علي و امك فاطمة و عندهما العباس و جماعة من بني هاشم، و هم مشغولون بموت جدك محمد صلّى اللّه عليه و آله و المأتم، فأمر أن يحرقوا بالنار إن لم يخرجوا للبيعة على ما ذكره صاحب كتاب العقد في الجزء الرابع[١] منه و جماعة ممن لا يتهم في روايتهم. و هو شيء لم يبلغ إليه أحد فيما أعلم قبله و لا بعده من الأنبياء و الأوصياء، و لا الملوك المعروفين بالقسوة و الجفاة، و لا ملوك الكفار، أنهم بعثوا من يحرقوا الذين تأخروا عن بيعتهم بحريق النّار، مضافا إلى تهديد القتل و الضرب.
[١] العقد الفريد، ٥: ١٣.