كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٢٩ - الفصل الرابع و الخمسون و المائة وصية الإمام علي(ع) لولده الإمام الحسن(ع)
الْمَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ، وَ لَا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ، فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ أَنْ يُدْرِكَكَ وَ أَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ذَلِكَ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ.
يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَ ذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ وَ تُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ[١]، وَ شَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ، وَ لَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ[٢]. وَ إِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا[٣]، وَ تَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا، فَقَدْ نَبَّأَكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَ نَعَتْ لَكَ نَفْسَهَا[٤]، وَ تَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا، فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ، وَ سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ، يَهِرُّ بَعْضُهَا بَعْضاً[٥]، وَ يَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا، وَ يَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا. نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ[٦]، وَ أُخْرَى مُهْمَلَةٌ قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا[٧] وَ رَكِبَتْ مَجْهُولَهَا، سُرُوحُ عَاهَةٍ[٨] بِوَادٍ وَعْثٍ. لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا، وَ لَا يُسِيمُهَا[٩].
سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى، وَ أَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى، فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا، وَ غَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا، وَ اتَّخَذُوهَا رَبّاً فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَ لَعِبُوا بِهَا وَ نَسُوا مَا وَرَاءَهَا.
رُوَيْداً يُسْفِرُ الظَّلَامُ[١٠]. كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الْأَظْعَانُ[١١]. يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ
[١] الحذر- بالكسر- الاحتراز و الاحتراس. و الأرز- بالفتح-: القوّة.
[٢] بهر- كمنع- غلب، أي يغلبك على أمرك.
[٣] إخلاد أهل الدّنيا: سكونهم إليها. و التّكالب: التّواثب.
[٤] نعاه: أخبر بموته. و الدّنيا تخبر بحالها عن فنائها.
[٥] ضارية: مولعة بالافتراس. يهرّ- بكسر الهاء و ضمّها-: أي بمقت و يكره بعضها بعضا.
[٦] عقّل البعير- بالتّشديد-: شدّ وظيفه إلى ذراعه. و النّعم- بالتّحريك- الإبل، أي إبل منعها عن الشّرّ عقالها و هم الضّعفاء، و أخرى مهملة تأتي من السّوء ما تشاء و هم الأقوياء.
[٧] أضلّت: أضاعت عقولها و ركبت طريقها المجهول لها.
[٨] السّروح- الضّمّ-: جمع سرح بفتح فسكون و هو المال السّائم من إبل و نحوها. و العاهة: الآفة، أي أنّهم يسرحون لرعي الآفات وادي المتاعب. و الوعث: الرخو يصعب السير فيه.
[٩] أسام الدّابّة: سرّحها إلى المرعى.
[١٠] يسفر أي يكشف ظلام الجهل عمّا خفي من الحقيقة عند انجلاء الغفلة بحلول المنية.
[١١] الأظعان- جمع ظعينة-: و هو الهودج تركب فيه المرأة، عبّر به عن المسافرين في طريق الدّنيا إلى الآخرة كأنّ حالهم أن وردوا على غاية سيرهم.