شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣١٢ - باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السّلام
الوجود إلاّ منه تعالى علم أنّها في جنب عظمته عدم و لا أحقر من العدم.و شدّة صغر المخلوق في اعتبار العارف بحسب درجته في عرفانه.و قيل لبعض العارفين:فلان زاهد.فقال:فيما ذا؟فقيل:في الدنيا.فقال:الدنيا لا تزن عند اللّه جناح بعوضة فكيف يعتبر الزهد فيها؟و الزهد إنّما يكون في شيء و الدنيا عندى لا شيء.
١٢٠-و قال عليه السّلام:
و قد رجع من صفين فاشرف على القبور بظاهر الكوفة:
يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ- وَ الْمَحَالِّ الْمُقْفِرَةِ وَ الْقُبُورِ الْمُظْلِمَةِ- يَا أَهْلَ التُّرْبَةِ يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ- يَا أَهْلَ الْوَحْدَةِ يَا أَهْلَ الْوَحْشَةِ- أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ وَ نَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ لاَحِقٌ- أَمَّا الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ وَ أَمَّا الْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ- وَ أَمَّا الْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ- هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ- ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ- أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلاَمِ- لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى
[اللغة]
الفرط : الّذي يتقدّم الواردة فيهيّيء الإرشاء و الدلاء .
[المعنى ]
و خاطبهم عليه السّلام خطاب من يسمع إقامة لحالهم المعهودة مقام أشخاصهم الموجودة.و الديار الموحشة و المحالّ المقفرة:القبور.و غرض الفصل ترقيق القلوب القاسية و تنبيه النفوس الغافلة عن غاية الدنيا و متاعها لغاية العمل فيها كما ينبغي ،و لمّا كان الحقّ هو أنّ خير الزاد التقوى كما نطق به القرآن الكريم و كان ذلك أمرا شاهد،المتّقون في جزائهم بتقويهم و الفجّار في حرمانهم بعدمه لا جرم لو اذن لهم في الجواب و اعطوا آلته لكان جوابهم ما عرفوا من الحقّ.