شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٥ - الفصل الثاني منها
الفصل الثاني:
قوله:
أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي- وَ جُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ وَ إِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ- مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ- وَ الاِهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي- غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي- فَصَدَقَنِي رَأْيِي وَ صَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ- وَ صَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي- فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لاَ يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ- وَ صِدْقٍ لاَ يَشُوبُهُ كَذِبٌ وَ وَجَدْتُكَ بَعْضِي- بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي- حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي- وَ كَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي- فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي- فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ
[اللغة]
أقول: جمح الفرس: إذا غلب صاحبه فلم يملكه .و يزعني: يمنعني .و المحض:
الخالص .و أفضى: أى انتهى .و الشوب: المزج و الخلط .
[المعنى ]
و قابل في لفظه بين الإقبال و الادبار و الآخرة و الدنيا.
و قد أشرنا إلى معنى إدبار الدنيا و إقبال الآخرة في قوله:ألا و إنّ الدنيا قد أدبرت، استعارة و استعار لفظ الجموح للدهر باعتبار عدم تمكّنه من ضبطه في تغيّراته و تصريفاته الخارجة عن اختياره كالجموح من الخيل ،و ما الاولى بمعنى الّذي، و يحتمل أن تكون مصدريّة،و على المعنى الأوّل يكون من للتبيين،و على الثاني لابتداء الغاية،و ما الثانية بمعنى الّذي و محلّها الرفع بالابتداء،و فيما تبيّنت خبره،و مستظهرا حال،و مدار الفصل على إعلامه إيّاه أنّه في معرض الزوال عنه و أنّ ذلك الوقت هو وقت الاهتمام بحال نفسه و بحاله لينزّله منزلة نفسه و أنّه