شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٢ - الفصل السابع منها
من حسن طلب القصد فيه إلى مطلوبه،و من قدر مبلغ له من الزاد،و استعار له لفظ الطريق لما يسير فيه الإنسان من أحوال الدنيا و يعبر منها إلى الآخرة،و أشار بطولها و شدّتها إلى عسر النجاة فيها و السلامة من خطرها.إذ كان ذلك إنّما يكون بلزوم القصد و الثباث على سنن العدل و الاستقامة على حاقّ الوسط من مكارم الأخلاق.إذ علمت أنّ لكلّ من القوّة التميزيّة و الشهويّة و الغصبيّة حدّ يجب وقوف الإنسان عنده و هو العدل،و علمت أنّه أدقّ الحدود و أصبعها.إذ هو محتوش بطرفي تفريط و إفراط قلّ ما يسلم الإنسان من الوقوع في أحدهما،و هما طريقا جهنّم.فبالحرى أن يكون طريقا ذا مسافة لا يصل الإنسان منها إلى غايته إلاّ على بعد بعيد،و لا يحصل منها على خبير إلاّ بجهد جهيد،و استعار لفظ الزاد للتقوى و الكمالات الّتي هي بلاغ الإنسان في تلك الطريق إلى اللّه تعالى،و بهذا يكون النجاة فيها و الخلاص من مهالكها ، استعارة و نبّهه على الثاني بقوله: مع خفّة الظهر.إلى قوله:
وبالا عليك .و استعار لفظ الخفّة لتقليل اكتساب الآثام و حملها على النفس،و لفظ الحمل لاكتسابها،و وجه الاستعاره الاولى:أنّ مقلّل الآثام سريع القطع لتلك الطريق قريب إلى النجاة فيها من مخاوفها كما قال عليه السّلام:تخفّفوا تلحقوا.و كما أشار إليه الرسول صلّى اللّه عليه و آله:نجا المخفّون.و وجه الثانية:أنّ مكتسب الآثام يثقل بها و يبطئ عن لحوق المخفّين و يهلك بها في طريقه،و كثرة تخلّفه تابعة لكثرة اكتسابة كما يكون حال المثقل في الطريق البعيدة،و لفظ الظهر ترشيح المطلوب .
الثالث:التنبيه على وجوب إنفاق المال في وجوه الصدقة و البرّ
لمن يحتاج إليه من أهل الفاقة،و ذلك قوله:و إذا وجدت.إلى قوله:عسرتك.و جذبه و أعدّه لذلك بأمرين:
استعارة أحدهما:كون ذلك زادا يحمله ذو الفاقة إلى يوم القيامة،و يلقاه به هناك في موضع الحاجة إليه.و استعار لفظ الزاد هنا لما يحصل من فضيلة السخا و الكرم بالإنفاق،و وجه الاستعارة كونه سببا لسلامة النفس من الهلاك في طريق الآخرة و وسيلة إلى السعادة الباقية كالزاد المخلص للمسافر في طريقه و المبلّغ له إلى مطالبه،