شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٧ - الفصل السادس منها
من ضرورة زوال الدنيا و انتقالها و بقاء الآخرة و ما أعدّ لأهلها فيها من السعادة الباقية الّتي اشتمل على تعديد أنواعها الكتاب العزيز و السنّة الكريمة،و ضرب لطالبهما مثلين ليكون ممّن أعرض عن الدنيا و أقبل على الآخرة.فالمثل الأوّل :
مثل من خبر الدنيا و عرف زوالها و انتقالها،و خبر الآخرة و عرف بقائها و ما اعدّ فيها لأهلها،و مثّلهم بقوم مسافرين فارقوا منزلا جديبا إلى منزل خصيب،و وجه مطابقه هذا المثل أنّ النفوس البشريّة لمّا كانت في عالم المجرّدات،و كانت الحكمة في هبوطها إلى هذا العالم و مقارنتها لهذه الهياكل الجسمانيّة الكثيفة في دار الغربة و محلّ الوحشة من عالمها هو أن يحصل بواسطتها الكمالات العقليّة الّتي إنّما تمكّن لها بواسطتها،ثمّ يرجع بعد الاستكمال عنها إلى عالمها الأعلى طاهرة عن علايق هذه الهياكل و هيئاتها الرديئة كما أخذ عليها في العهد القديم كانت كلّ نفس حفظت عهد ربّها و بقيت على صراطه المستقيم و هي المدّة المضروبة لها ناظرة بعين الاعتبار إلى أنّ الدنيا كالمنزل الجديب خال عن المطاعم الحقيقيّة و المشارب العذبة الهنيئة فهو لذلك غير صالح للاستيطان و الإقامة،و أنّ عالم الآخرة كالمنزل الخصيب و الجناب المريع من وصل إليه مستقيما على أوامر اللّه و نواهيه فاز بالمقاصد السنيّة و اللذّات الباقية فكانت أبدا في طريق السفر في منازل طريق اللّه و الاستعداد للوصول إلى بهجة حضرته الشريفة محتملة لمشقّة ذلك السفر من معاناة الجوع و الظماء و مقاساة السهر قصدا إلى سعة الدار و منزل القرار لا تجد من ذلك ألما و لا تعدّ ما تنفقة من المال و العمر فيه مغرما و لا شيء أحبّ إليها من وسيلة تقرّبها إلى ذلك المنزل الّذي أمّته و الجناب الّذي قصدته فأشبهت في ذلك من وصل إلى منزل جديب.ثمّ علم أنّ أمامه منزلا خصيبا فاقتضى رأيه الحسن أن يحتمل و عثاء السفر و مشقّته إليه ليحصل على الراحة الكبرى ،و أمّا المثل الثاني:فهو مثل أهل الدنيا الّذين قادتهم نفوسهم الأمّارة بالسوء إليها فغفلوا فيها عمّا ورائها و نسوا عهد ربّهم و أعرضوا عمّا ذكروا به من آياته، تشبيه و شبّههم بقوم كانوا في منزل خصيب فنبأ بهم إلى منزل جديب ، فالمنزل الخصيب في هذا المثل هو الدنيا لأنّها محلّ سعادة أهلها و نعيمهم،و المنزل