شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٤ - الفصل الرابع منها
وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ- كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ الرَّسُولُ ص فَارْضَ بِهِ رَائِداً وَ إِلَى النَّجَاةِ قَائِداً- فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً- وَ إِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ- وَ إِنِ اجْتَهَدْتَ مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ
[اللغة]
أقول: الوهن : الضعف .و المبادرة : المسارعة و المسابقة .و أفضى : وصل .
و البغية : الطلبة .و التوخّى : القصد .و أجمعت : صمّمت العزم .و أسلمته إلى كذا : خليت بينه و بينه .و أمثل : أقرب إلى الخير .
و في هذا الفصل مقاصد :
الأوّل:أنّه أشار إلى بعض العلل الحاملة له على هذه الوصيّة
،و هى كونه قد بلغ سنّا عاليا و أخذ ازديادا في الضعف،و ذلك أنّه كان قد جاوز السّتين فلزم من ذلك خوفه لأحد الخصال المذكورة فبادرها و سابقها إليه.و خصالا مفعول به.و عدّ من تلك الخصال ثلاثا:
الأولى:أن يعجل به أجله إلى الآخرة قبل أن يوصل إليه ما في نفسه من الحكمة .
الثانية:أن ينقص في رأيه،و ذلك أنّ القوى النفسانيّة تضعف عند علوّ السنّ لضعف الأرواح الحاملة لها فينقص بسبب ذلك تصرّف العقل و تحصيله للآراء الصالحة.
الثالثة:أن يسبقه إليه بعض غلبات الهوى فإنّ الصبيّ إذا لم يؤخذ بالآداب في حداثته و لم ترض قواه لمطاوعة العقل و موافقته كان بصدد أن يميل به القوى الحيوانيّة إلى مشتهياتها و ينجذب في قياد هواه إلى الاستعمال بها فيفتنه و يصرفه عن الوجهة الحقيقيّة و ما ينبغي له فيكون حينئذ كالصعب النفور من الإبل،و وجه التشبيه أنّه يعسر حمله على الحقّ و جذبه إليه كما يعسر قود الجمل الصعب النفور و تصريفه بحسب المنفعة.ثمّ نبّه على وجوب المبادرة إليه بالأدب،و زرعه في قلبه