شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٨ - الفصل السادس منها
الجديب هو الآخرة.إذ لم يكونوا قد استعدّوا لدرك السعادة فيها.و وجه تشبيههم بالقوم هو ما ذكره من أنّه ليس شيء أكره إليهم.إلى آخره:أي ليس شيء أكره إليهم و لا أفظع عندهم من مفارقة ما هم فيه من الدنيا إلى ما يهجمون عليه بغتة من الأهوال،و يصيرون إليه من مقاساة السلاسل و الأغلال كما أنّه ليس شيء أكره إلى القوم من مفارقة منزل خصيب كانوا فيه إلى منزل جديب يهجمون عليه،و إلى هذين المثلين أشار الرسول صلّى اللّه عليه و آله:الدنيا سجن المؤمن و جنّة الكافر .
المطلوب الثاني:
استعارة الوصيّة بإصلاح معاملته مع الخلق.فأشار عليه أن يجعل نفسه ميزانا بينه و بين غيره ،و وجه استعارة لفظ الميزان له أنّه يكون ذا عدل بين نفسه و بين الناس كالميزان .
ثمّ شرح وجوه العدل و التسوية الّتي
أمره أن يكون
ميزانا باعتبارها
فمنها أمور ثبوتيّة،و منها أمور سلبيّة:
فالأوّل:أن يحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه،و يكره له ما يكره لها،
و في الحديث المرفوع:لا يكمل إيمان عبد حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه،و يكره له ما يكره لنفسه.و سرّ الحديث أنّ ذلك من كمال فضيله العدالة الّتي هي من كمال الإيمان.
الثاني:أن لا يظلم كما لا يحبّ أن يظلم
فيسلم من رذيلتي الظلم و الانظلام.
الثالث:أن يحسن إلى الغير كما يحبّ أن يحسن إليه،
و الإحسان فضيلة تحت العفّة.
الرابع:أن يستقبح من نفسه ما يستقبح من غيره
فينزجر عن جميع مناهي اللّه و هو من لوازم المروّة،و لذلك قال أحنف إذ سئل عن المروّة:هى أن تستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك .
الخامس:أن يرضى من الناس ما يرضاه لهم من نفسه
:أي كلّ ما رضى أن يفعله بهم من خير أو شرّ إن فعله فينبغي أن يرضى بمثله منهم،و فيه تنبيه على أنّه لا يجوز أن يفعل الشرّ لعدم لازمه و هو الرضا منهم به.
السادس:أن لا يقول ما لا يعلم و إن قلّ ما يعلم،
و إنّما قال:و إن قلّ ما يعلم لأنّ تصوّر قلّة العلم قد يكون داعية لبعض الناس إلى أن يقول بغير علم لئلاّ ينسب