شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٧٩ - باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السّلام
بقضاء من اللّه و بقدر لم يكن لنا في تعبنا ثواب و ذلك أنّ القضاء قد يراد به في اللغة الخلق و ما خلقه اللّه تعالى في العبد فلا اختيار له فيه و ما لا اختيار له فلا ثواب له فيما فعله.
و قوله :ويحك.إلى قوله:الوعيد.
بيان لمنشأ وهمه و هو ما لعلّه يظنّه من تفسير القضاء و القدر بمعنى العلم الملزم و الايجاد الواجب على وفقه.
و قوله :إنّ اللّه سبحانه أمر عباده تخييرا.
إشارة إلى تفسير القضاء بالأمر كما صرّح به في جواب السائل عن معناه مستشهدا في تفسيره بالأمر و الحكم بقوله تعالى «وَ قَضىٰ رَبُّكَ» الآية و معلوم أنّ أمر اللّه و نهيه لا ينافي اختيار العبد في فعله.و هذا الجواب إقناعيّ بحسب فهم السائل.
و ربّما فسّر القضاء بأنّه عبارة عن ابداع الأوّل تعالى لجميع صور الموجودات الكليّة و الجزئيّة الّتي لا نهاية لها من حيث هي معقولة في العالم العقلىّ ثمّ لمّا كان ايجاد ما يتعلّق منها بالمادّة في مادّته و إخراج ما فيها من قبول تلك الصور من القوّة إلى الفعل واحدا بعد واحد كان القدر عبارة عن الايجاد لتلك الامور و تفصيلها واحدا بعد واحد كما قال تعالى «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّٰ عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلاّٰ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» ١.
و اعلم أنّه على هذا التفسير يمكن تقرير الجواب عن السؤال المذكور أيضا و ذلك أنّ القضاء بالمعنى المذكور لا ينافي اختيار العبد و حسن تكليفه و ثوابه و عقابه لأنّ معنى الاختيار هو علم العبد بأنّ له قوّة صالحة للفعل و الترك الممكنين مهيّئة لهما إذا انضمّ إليها الميل إلى الفعل المسمّى إرادة فعل أو النفرة المسمّى كراهة ترك و ذلك أمر لا ينافي علم اللّه تعالى بما يقع أولا يقع من الطرفين و إن حصل عنه وجوب فهو خارج عرضىّ.
ثمّ إنّ التكليف لم يرد على حسب ما في علم اللّه تعالى بل له مبدءان:
١) ١٥-٢١.