شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٥٥ - باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السّلام
الكمال حاصلا لها باليقين البرهانىّ.و منها عمليّة و هى استكمال النفس بملكة العلم بوجوه الفضائل النفسانيّة الخلقيّة و كيفيّة اكتسابها،و وجوه الرذائل النفسانيّة و كيفيّة الاحتراز عنها و اجتنابها،و ظاهر أنّ العلم الّذى صار ملكة هو اليقين. مجاز و عبّر عن العفّة بالصبر .و العفّة هى الإمساك عن الشره في فنون الشهوات المحسوسة و عدم الانقياد للشهوة و قهرها و تصريفها بحسب الرأي الصحيح و مقتضى الحكمة المذكورة،و إنّما عبّر عنها بالصبر لأنّها لازم من لوازمه.
إذ رسمه أنّه ضبط النفس و قهرها عن الانقياد لقبايح اللذّات .و قيل:هو ضبط النفس عن أن يقهرها ألم مكروه ينزل بها و يلزم في العقل احتماله أو يغلبها حبّ مشتهى يتوق الإنسان إليه و يلزم في حكم العقل اجتنابه حتّى لا يتناوله على غير وجهه.و ظاهر أنّ ذلك يلازم العفّة، مجاز إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه و كذلك عبّر عن الشجاعة بالجهاد لاستلزامه إيّاها إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه.و الشجاعة هى ملكة الإقدام الواجب على الامور الّتي يحتاج الإنسان أن يعرّض نفسه لاحتمال المكروه و الآلام الواصلة إليه منها ،و أمّا العدل فهو ملكة فاضلة تنشأ عن الفضائل الثلاث المشهورة و تلزمها.
و قد علمت فيما سلف أنّ كلّ واحدة من هذه الفضائل محتوشة برذيلتين هما طرفا الإفراط و التفريط منها و مقابلة برذيلة هى ضدّها .و أمّا شعب هذه الدعائم:فاعلم أنّه جعل لكلّ دعامة منها أربع شعب من الفضائل يتشعّب منها و يتفرّع عليها فهى كالفروع لها و الأغصان:أمّا شعب الصبر الّذي هو عبارة عن ملكة العفّة:
فأحدها:الشوق إلى الجنّة و محبّة الخيرات الباقية.
الثاني:الشفق و هو الخوف من النار و ما يؤدّي إليها.
الثالث:الزهد في الدنيا و هو الإعراض بالقلب عن متاعها و طيّباتها.
الرابع:ترقّب الموت.و هذه الأربع فضايل منبعثة عن ملكة العفّة لأنّ كلاّ منها يستلزمها .
و أمّا شعب اليقين:
فأحدها:تبصرة الفطنة و إعمالها.و الفطنة هى سرعة هجوم النفس على