شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢١ - شرح ما أشار إليه من فضيلة الرسول صلّى اللّه عليه و آله على سائر الأنبياء
الدنيا لم تكن لتستقرّ إلاّ على ما جعلها اللّه عليه ممّا عدّدناه ممّا يعلم كونه خيرا أو شرّا أولا يعلم حاله:أى لم يكن خلقها إلاّ على ما فيها من خير مراد بالذات و شرّ مراد بالعرض،و لزوم الجزاء على السيّئة و عقاب النفوس في المعاد عليها من الشرور اللازمة لما حصلت عليه من الهيئات البدنيّة و الملكات الرديئة في الدنيا كما يعلم ذلك من موضعه .
و قوله: فإن أشكل .إلى آخره.
أى فإن أشكل عليك شيء من أسرار القدر،و خفى عليك وجه الحكمة فيه فلا تتوّهم خلوّه عن حكمة بل احمله على جهالتك به فانّك أوّل ما خلقت جاهلا ثمّ علمت كما قال تعالى «وَ اللّٰهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ شَيْئاً» ١الآية.و نصب أوّل على الظرف،و جاهلا على الحال،و روى أوّل مرفوعا بالابتداء و جاهل بالرفع خبرا له.ثمّ نبّهه على أكثريّة ما يسبق جهله به من الأمور ثمّ يدركه فيما بعد ليجعل ما لا يدرك وجه الحكمة فيه من ذلك القبيل .ثمّ أمره بالاعتصام باللّه و اللجأ إليه في أموره،و أن يجعل له تعبّده و إليه رغبته و منه شفقّته لأنّه تعالى أحقّ موجود بذلك و أولاه بالأمور المذكورة .
المقصود الخامس:الإشارة إلى فضيلة الرسول صلّى اللّه عليه و آله على سائر الأنبياء
لزيادته عليهم في إيضاح الخبر عن اللّه تعالى،و بيان المطالب الحقيقيّة الّتى اشتمل عليها الكتاب العزيز من أسرار التوحيد و القضاء و القدر و أمر المعاد فإنّ أحدا من الأنبياء السابقين عليهم السّلام لم يفصح عن هذه الأمور كإفصاحه،و لذلك كانت هداية هذه الأمّة بتمام ما جاء به صلّى اللّه عليه و آله أتمّ و أكمل من هداية ساير الامم السابقة عمّا جاءت به أنبياؤها و كانت عيون بصائرهم أبسط أنوارا و أكثر انتشارا استعارة .و غاية ذكر فضيلته صلّى اللّه عليه و آله هنا أن يرضى برأيه و دلالته على طريق النجاة في الآخرة،و استعار له لفظ الرائد باعتبار أنّه قد اختبر ما في الآخرة من الثواب المقيم و السعادة الباقية،و بشّر به أمّته كما يبشّر الرائد أهله بوجود الكلاء و الماء بعد ارتياده .ثمّ أردف ذلك ببيان أنّه لم يزل
١) ١٦-٨٠.