شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٩ - إشارة إلى كمال عنايته عليه و وجوه اختياراته له ما هو أولى به من العلوم
فيها إن أبت نفسه الاقتصار على ما افترضه اللّه عليه:أى فليكن طلبك لما أنت طالب له من ذلك على وجوه:
أحدها:التفهّم للمقاصد،و التعلّم للحقّ،و الطلب له لا على وجه تعلّم الشبهات و التورّط فيها و المشاغبة بها فإنّ ذلك ممّا يصدّ عن تعلّم الحقّ و يمنع من قبوله .
الثاني:أن يبدء قبل نظره في ذلك الطلب بالاستعانة باللّه و الرغبة إليه في توفيقه لإصابة طريق الحقّ و الوصول إليه.
الثالث:أن يترك كلّ شائبة أو لجته في شبهة كالعادات في نصرة المذاهب الباطلة بحسب اتّباع الهوى و الآراء الّتي يطلب بها الرئاسات فإنّ النفس إذا كانت فيها شائبة محبّة لأمر جسمانىّ لم يتّضح لها طريق الحقّ بل كانت إلى الانحراف في طرق الضلال و الشبه المناسبة للمطالب الباطلة أقرب،و تلك الطرق أعرف عندها لمكان تلك الشائبة.فينبغى للسالك أن يحذف عن نفسه كلّ شبهة تقود إلى ضلالة، استعارة و لفظ الإسلام مستعار لإهماله و عدم جذبه عمّا يتورّط فيه من الامور المضلّة .ثمّ قال: فإذا أيقنت .إلى آخره:أى فإذا أعددت نفسك للطلب و النظر بما ذكرت لك،و تحقّقت أن قد صفا قلبك من كلّ شائبة تنافي النظر،فخشع من خشية اللّه أن يؤاخذك بتركه،و تمّ رأيك و عزمك عليه فاجتمع متفرّقه حتّى لا يبقى لك إلى تركه التفات،و كان همّك فيه همّا واحدا لا ينقسم إلى غيره.فانظر حينئذ فيما فسّرت لك و نبّهتك عليه من المسائل العقليّة الإلهيّة كما سيأتي ،و إن أنت لم يجتمع لك ما تحبّ من نفسك و فراغ نظرها و فكرها عن الشوائب المنافية للعلم و طلبه و نظرت.فاعلم أنّك في خوضك و طلبك له إنّما تخبط خبط عشواء و تتورّط الظلماء،و كلّ من كان كذلك فليس أهلا لطلب الدين من أصوله.و حذف المضاف إلى العشواء و أقام المضاف إليه مقامه، استعارة و استعار وصف الخبط له باعتبار أنّه طالب للعلم من غير استكمال شرائط الطلب و على غير وجهه فهو متعسّف سالك على غير طريق المطلوب كالناقة العشواء،و كذلك لفظ الظلماء