شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٨٨ - باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السّلام
وَ أَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ وَ أَنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ- فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللَّهَ وَ إِنْ أَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللَّهَ- وَ لاَ خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ لِرَجُلَيْنِ- رَجُلٍ أَذْنَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يَتَدَارَكُهَا بِالتَّوْبَةِ- وَ رَجُلٍ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ- وَ لاَ يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ التَّقْوَى وَ كَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ
[المعنى ]
أقول:الخير في العرف العاميّ هو كثرة المال و القينات الدنيويّة،و في عرف السالكين إلى اللّه هو السعادة الاخرويّة و ما يكون وسيلة إليها من الكمالات النفسانيّة.و ربّما فسّره قوم بما هو أعمّ من ذلك.و قد نفى عليه السّلام أن يكون الأوّل خيرا و ذلك لفناءه و مفارقته و لما عساه أن يلحق بسببه من الشرّ في الآخرة و فسرّه بالثاني و عدّ فيه كمال القوى الإنسانيّة فكثرة العلم كمال القوى النظريّة للنفس العاقلة،و عظم الحلم من كمال القوّة العمليّة و هو فضيلة القوّة الغضبيّة،و مباهاة الناس بعبادة ربّه:أى المفاخرة بها بالكثرة و الإخلاص و حمد اللّه على توفيقه للحسنة و استغفاره للسيّئة و ذلك من فضائل القوّة الشهويّة و كمال القوّة العمليّة .
ثمّ حصر خير الدنيا في أمرين،و ذلك أنّ الإنسان إمّا أن يشتغل بمحو السيّئات و إعدامها و يتدارك فارط ذنوبه فيعدّ نفسه بذلك لاكتساب الحسنات أو يشتغل بايجاد الحسنات فيها.و لا واسطة من الخير المكتسب بين هذين الأمرين .ثمّ حكم بعدم قلّة العمل المقرون بتقوى اللّه منبّها بذلك على أنّ تدارك الذنوب بمحوها و المسارعة في الخيرات مستلزم للتقوى،و إنّما كان غير قليل لأنّه مقبول عند اللّه و المقبول عنده مستلزم لثوابه العظيم.و ذلك ترغيب في الأمرين المذكورين.
٨٧-و قال عليه السّلام:
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ- ثُمَّ تَلاَ «إِنَّ أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هٰذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا»