شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٠ - إشارة إلى كمال عنايته عليه و وجوه اختياراته له ما هو أولى به من العلوم
للشبه باعتبار أنّ الذهن لا يهتدى فيها لطلب الحقّ كالماشى في الظلماء .
المقصود الرابع:أمره بتفهّم وصيّته.
و نبّهه على جملة من صفات اللّه و أفعاله الّتي قد يتوهّم التضادّ و التناهى في إسنادها إلى مبدء واحد،و أشار إلى أنّها ليست بمتضادّة،و أنّ مبدئها واحد،فأمّا الصفات فهو أنّ القادر على الموت و من له أن يميت فهو القادر على الحياة و له أن يحيى باعتبار أنّ أسباب الموت و الحياة ينتهى إليه،و كذلك الخالق هو المميت فإنّ فاعل الخلق هو مقدّر الموت الّذي ينتهى إليه أسبابهما،و إلى هذين الاعتبارين الإشارة بقوله تعالى« «يُحْيِي وَ يُمِيتُ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبٰائِكُمُ الْأَوَّلِينَ» »فيحيى و يميت باعتبار انّه الفاعل الأوّل لهما و باعتبار أنّه الربّ المطلق هو المالك الأوّل لهما،و كذلك المفنى هو المعيد و المبتلى هو المعافى باعتبار انتهاء أسباب الفناء و الإعادة و اللابتلاء و المعافاة إليه.
و قد علمت أنّ كلّ هذه الأمور اعتبارات عقليّة يلحقّ معقوليّة الواجب سبحانه بالقياس إلى مخلوقاته و آثاره كما استقصيناه في الخطبة الأولى ،و أمّا الأفعال فهو أنّه تعالى لمّا خلق الدنيا لم يمكن خلقها و استقرار وجودها إلاّ على ما خلقها اللّه عليه من إفاضة ما يعدّ نعمة في حقّ بعض العبيد من مال و صحّة و نحوهما، و الابتلاء بما يعدّ بلاء من الفقر و المرض و نحوهما،و إن كانت النعماء أيضا ابتلاء كما قال تعالى« «وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنٰا تُرْجَعُونَ» » ١.ثمّ لزوم الجزاء في المعاد لنفوس المبتلين و المنعم عليهم بحسب طاعتهم و معصيتهم في النعمة و الابتلاء،و كذلك خلقه لها على ما شاء ممّا لا يعلم وجه الحكمة فيه،و اعلم أنّه قد ثبت في أصول الحكمة أنّ المقصود من العناية الإلهيّة بالذات إنّما هو الخير،و أمّا الشرور الواقعة في الوجود فكاينة بالعرض من حيث إنّه لا يمكن نزع الخير و تجريده عنها.و لمّا كان الخير أغلب في الوجود،و كانت الشرور امورا لازمة أقليّة لم يمكن ترك الخير الكثير لأجلها لأنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شرّ كثير في الجود و الحكمة،و ذلك معنى قوله عليه السّلام:و إنّ
١) ٢١-٣٧.