محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٠٠ - الخطبة الثانية
القلة في بدر تنقطع إلى الله فتنتصر، والكثرة في حنين يصيبها الغرور وتعتمد على القوة المحدودة، وكل قوة بشرية هي قوة محدودة وحساب الله مع المؤمن غير حساب الله مع الكافر. قد يحقق الله عز وجل النصر على يد الكافر وهو يعتمد على قوته، ولا يحققه على يد المؤمن حين يتكل على ذاته وعدده وعدّته، ذلك تربية للمؤمنين وتأديباً لهم، وذاك استدراج للكافرين. القلة في بدر تنقطع إلى الله فتنتصر. نعم قلة عدداً وعدة كما يعلم، وهو درس شهده المسلمون وعاشوه بأنفسهم، بمشاعرهم، بعقولهم، بحسهم، بكل وجدانهم. والكثرة في حنين تفشل وتتراجع حين تنسى الله، وتنفصل عنه بشعورها. هذه مدرسة الحياة، مدرسة الميدان العملي. الإسلام ربّى المسلمين من خلال الأحداث، ومن خلال توجيه الأحداث، وقيادة الأحداث، من خلال الكبوة، من خلال النهضة، من خلال السقطة، من خلال القيام، من خلال الهزيمة، من خلال النصر، من خلال المتاعب والأشواك والعقبات، الكثرة في حنين يصيبها الغرور، اثنا عشر ألفاً، فرأوا من أنفسهم كثرة فنسوا الله، واعتمدوا على كثرتهم وقوتهم، فعلّمهم الله سبحانه وتعالى الدرس المؤدب، إذا كان الناس يتأدبون.
ثانياً: ينبغي توزيع الأدوار بحسب الكفاءات:-
أطرح سؤالًا: لماذا ينسى المسلمون التجارب التي يمر بها الرجال عند الاختيار للمواقع؟ ألم يشهد المسلمون علياً (ع) في كل تجارب حياته بطلا، ليس بطل يد ضاربة، بقدر ما هو بطل نفس مبدئية، وروح شفافة، وقلب موصول بالله، يهجم على الموت من غير حساب، كان منتصراً أو كان غير منتصر. ألم يجرّبوه عليهم السلام المقرّب من رسول الله (ص)؟ الذي يقف مع رسول الله (ص) في كل مواقف الضنك والشدة والضيق؟ أبعده رسول الله (ص) في يوم من الأيام، عن تفكير سياسي أو تفكير عسكري أو عن إدارة اجتماعية؟ ألم يكن الرفيق الأول له (ص)؟ ألم يؤاخه وهو تلميذه، من بين كل الكبار،