محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٦٠ - الخطبة الأولى
لا يُقادر قدره، ومن أصناف الأهوال ما لا يُقادر قدره فكيف حال فرح في النوم ووجل فيه؟ هذا هو الموت فاستعدوا له)).
تنام الليلة الواحدة، ليلة تقضيها مسروراً سعيداً أكثر سعادة من كل حياتك، تداعبك فيها الأحلام الجميلة الخضراء، وترى نفسك راقية، ترى نفسك عالماً تحل المشكلات العلمية في لحظة، ترى نفسك السعيد في كل الجوانب.
وليلة أخرى ترى نفسك؟ يعيشها إنسان عذاباً نفسياً أليما قاسياً، تتهدده السباع، تتوثب عليه الحيات والثعابين، تهجم عليه العقارب، تجتمع عليه الأعداء، فيقضي ليلته عذاباً شديداً مراً. حياة البرزخ هي إحدى هذين اللونين، وهذه هي البداية، المسألة تبدأ على مستوى النوم، ثم نتنقل على مستوى اليقضة يوم يبعثون. ( (فاستعدوا لها)).
قيل للصادق عليه السلام: صف لنا الموت؟ قال عليه السلام: ( (للمؤمن كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه وينقطع التعب والألم كله عنه ..)) ريح طيب تسكر له النفس، ينسيها كل ما حولها انفعالا يه، كل الأتعاب كل الآلام تنخلع تنفصل، يتخلص هذا الإنسان منها، لا يبقى ألم على مستوى الخواطر، على مستوى البدن، لا قلق لا خوف لا حزن، إنها بشريات الله سبحانه وتعالى للمؤمن تبدأ مع لحظة وفاته.
وكيف يكون موت الكافر؟
( (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)) ٢٨ النحل. كيف حال الإنسان الذي يعرف من نفسه أنه جان ويقف أمام من لا يستطيع المفر منه، يستسلم استسلاماً كاملًا، ولكنه يتعلق كمن يتعلق بالطحالب .. لا لم أفعل .. لا أنا لم افعل شيئاً .. وهو يعلم من نفسه انه يفعل وهو يعلم أن الطرف الآخر يعمل أنه فعل ولكنه الطلب الوهمي للنجاة، والتمسك بالطحالب عند لحظة الشدة. هنا استسلام ولكن محاولة للحصول على البراءة و التبري مما كانوا