محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٥٧ - الخطبة الأولى
حياتنا كلها مجموعة أنفاس، وكل نفس ينقص هو موت، هو نقلة من حياتنا، هو إدبار لهذه الحياة، هو تقص لهذه الحياة، أنا الآن أموت نعم أموت وأموت و أموت ن كل نفس من حساب حياتي يخرج فهو موت لهذا النفس، و موت لحظة العمر، اعبؤها بخير أو شر، هي لحظة واحدة ولكن ترتفع قيمتها عالياً بلون ما أعبؤها، إن عبأت اللحظة الواحدة بخيرٍ ارتقيت مرتقى الملائكة وأكثر، وإن عبأت اللحظة الواحدة في حياتي بشرٍ انتكست الانتكاسة، فكنت في الأسافل، مع القمامات، مع كل القاذورات.
بلى .. ( (في كل نفس فوت)) فما الموت الذي نهاب ونحذر منه إلا آخر لحظة، أنا سأموت أنت ستموت؟ بلى، ما موتي وما موتك، موتي وموتك آخر لحظة من لحظات حياتي، انتهاء هذه اللحظة، خروج آخر نفس هو الموت، الآن يخرج نفس ويدخل نفس، فأنا أموت في النفس الأول، وأحيا في النفس الثاني، ولكن يأتي نفس أخير فيخرج فلا يدخل وراءه وفي عقبه نفس، وهذه هي الوفاة، هذا هو الموت.
وآخر نفس لنا من لحظات لنا معدودة، وأنفاس محدودة هو الموت، وهو يطاردنا ليلًا نهاراً ( (إن الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب))، ( (وما أقرب الحياة من الموت)) بلى ما أقربها منه، وقال صادقاً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ( (الحياة ما أقربها من الموت)) بعد إن كانت الحياة والموت لحظتين لصيقتين، وبعد أن كانت الحياة والموت نفساً وانقطاعا لهذا النفس، ليس أقرب من نفس يعقبه عدمه، عدم النفس الأخير هو الموت، فما ألصق الحياة بالموت .... بعد أن كانتا لحظتين لصيقتين لا يفصلهما فاصل، إذ هو نفس وانتهت الحياة، أي جاء الموت، وانتهى الأجل.
وهل تحب أن تسمع عن موت المؤمن، تقول الآية الكريمة ( (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون))، إنه التوفي، إنه جمع الروح بكل ما هو من كيانها، وإذا كانت الروح البسيطة يعني الاستيفاء، إنه استيفاء للإنسان