محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢٥ - الخطبة الأولى
الحياة، يمتلك على الإنسان وعيه، عقله، تفكيره يلفهُ بالهموم والمأساة، ويأسرهُ للمشاعر السوداء، إنه الكآبة .. إنه البؤس .. إنه الشقاء ..
إذا كان الإسلامُ يرى الفقر بهذه المنزلة فهل ترى من الإسلام أن يترك الفقر؟ أن يسكت عليه؟ أن يتفرج على مأساة الفقراء؟ أن يقف مكتوف اليد أمام بغي الأغنياء؟ ... أترى من النظام الإسلامي العادل، أترى من رب العباد تعالى أن يهمل نظامٌ منه عباده هذا الإهمال؟
على المستوى التكويني أوجد الله سبحانه وتعالى هذه الأرض، وأودع فيها ما يكفي الحياة، ليست حياة الإنسان فقط، وإنما كل شيءٍ يدب على الأرض، ولم يوّسع في الخيرات بقدرٍ يُغرقُ الإنسان إغراقا حكمةً منه، ولأن الحياة حياة ابتلاء وحياة تربية ومدرسة تخرّيج الإنسان من خلال الكد والكدح في ذات الله.
جاءت الثروات الأرضية، تكافئ مستوى البشرية مع عدلٍ للقوي بالنسبة للضعيف، ومن الغني بالنسبة للفقير، وفي ذلك امتحانٌ للطرفين، وحتى تتم التجربة البشرية على الأرض في وضعٍ مناسب، وليس من فقرٍ لله سبحانه ولا شحٍ منه سبحانه وتعالى أن يجوع فقير، ولا تهن عظام ضعيف، وإنما هي مدرسة حياة مدرسة الابتلاء مدرسة الامتحان التي تخرّج للجنة أفواجا، وللنار قوافل وأفواجا ..
هذا على المستوى التكويني، أما على المستوى النظام التشريعي، فالدارسون للإسلام يجدون منه نظاماً اقتصادياً متكاملًا، في وسطٍ من نظام شامل يهيئ الأرضية الكافية لنجاح هذا النظام الاقتصادي العادل ..
لفتةُ نظرٍ للنظام الإسلامي الجزئي، سواء أن كان نظاماً اقتصاديا أو نظاماً اجتماعياً، أو نظاماً سياسياً، أو أي نظام تفصيليٍ آخر .. كل هذه الأنظمة لا تعمل على درب غايتها، ولا تبلغ بغيتها مفصولةً عن وسطها الذي يشكله النظام الإسلامي العام الشامل الذي