محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٦ - الخطبة الأولى
تدعو إلى التآلف وتدعو إلى التفاهم وتدعو إلى العلاقة القائمة على المحبة والمودة والسلام هذا في أصل ما تقتضيه وحدة الجنس إلا أن يستبد الشيطان بفئة من البشر فيعدل بهم عن الطريق، ثم هذه الأزواج لها هدف ان تعطي السكينة والطمأنينة، و السكينة والطمأنينة قاعدة البناء، قاعدة التفرغ لبناء النفس، بناء الروح، بناء العقل، بناء الأسرة، بناء الحياة. حياة الفزع والقلق والإضطراب لا تمثل أرضية بناء ولا أرضية إنتاج. نعم تمثل ألواناً من الإبتكار لوسائل الشر والدمار، أما البناء الهادف الصالح فإنما يتم من خلال تنافس شريف يقوم على أرضية التفاهم والإلتقاء في الهدف والإيمان بالحق والخير والفضيلة والجمال. ( (... وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً ...)) إنه من لطف الله سبحانه وتعالى أن خص هذه الخلية الاجتماعية الأولى التي تعني أساس المجتمع، بميزة المودة والمحبة والرحمة، فالرجل يعقد على المرأة الأجنبية عنه نسباً وبلدا، وعنصراً وقوما، فلا يتم العقد إلا ويأتلف القلبان وتتحد الروحان وكأنهما جسد واحد هذه الألفة التي يحتاج بناؤها إلى مدة طويلة بين صديقين حميميين، وبين زميلين في عمل، تمر على علاقتهما سنوات، ما هي إلا مدة بسيطة وربما لحظات وإذا بالقلب يرتبط بالقلب، وتنشد النفس إلى النفس، ويشعر كل منهما أن كيانه صار ممتداً، امتدادا لا يفرق وإنما يؤول إلى الائتلاف والإلتقاء. هذا صنع من الله لا نعرف سره وكيف يكون إلا أننا نعرف أن من حكمته أن هذه الخلية الأولى تحتاج إلى رعاية إلهية فوق العادة من أجل أن تنبني بناءاً مرصوصا، وتقوم بناء مشيدا لا تتهدده الخلافات الصغيرة لتهدمه بسرعة. ( (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) ومما ينبغي أن نهتدي به من آيات هذه الرابطة التكوينية التي تتحصل بمجرد عقدٍ إنشائي بين الزوج والزوجة، أن رعاية الله سبحانه وتعالى وحكمته وتدبيره في كل صغيرة وكبيرة وأن صنع الله عز وجل محكم ويتلاقى عنده التشريع مع التكوين والعناية القائمة على الفعل منه سبحانه وتعالى، هذه الأسرة وهذا البناء يقوم في إطار ميثاق غليظ.