قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩٣ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
و الأخبار فيما يوجب الرجاء و حسن الظن أكثر من أن تجمع و لم نقصد جمعها، و إنما دللنا بقليل على كثير، و نبهنا عقول ذوي التبصير. و قد قال الله سبحانه و تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] فنبه العبد مع غرته على كرمه، و ذكره مع جهله حسن تسويته إياه بتعديله، يدل على نعمته. و روينا عن الضحاك «إن العبد ليدنو من ربه تبارك و تعالى عند العرض فيقول: عبدي أ تحصي عملك؟ فيقول: إلهي كيف أحصيه من دونك و أنت الحافظ للأشياء، فيذكره الله تعالى جميع ذنوبه في الدنيا في ساعاتها، فيقول: أنت عبدي فقر بما عرفتك و ذكرتك، فيقول نعم سيدي، فيقول الله سبحانه أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، فلم أجعل للذنوب رائحة توجد منك، و لم أجعل في وجهك شينها، و أنا أغفرها لك اليوم على ما كان منك، بإيمانك بي و تصديقك المرسلين» و روينا عن محمد الحنفية عن أبيه علي كرم الله وجهه قال: «لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه و سلم فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر: ٨٥] قال: يا جبريل و ما الصفح الجميل؟ قال: يا محمد إذا عفوت عمن ظلمك فلا تعاتب، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: يا جبريل فاللّه مع كرمه تعالى أولى أن لا يعاتب من عفا عنه، قال فبكى جبريل و بكى النبي صلّى الله عليه و سلم، فبعث الله عز و جل إليهما ميكائيل فقال: إن ربكما يقرئكما السلام و يقول لكما: كيف أعاتب من عفوت عنه، هذا ما لا يشبه كرمي». و من الرجاء شدة الشوق إلى ما شوق إليه الكريم و سرعة التنافس في كلّ نفيس ندب إليه الرحيم، فأما الرجاء الذي هو همة جملة الناس من الإقامة في المعاصي و الانهماك في الخطايا و هو يرجو المغفرة و ينتظر الكرامة، فليس هذا برجاء عند العلماء، لأن الرجاء مقام من اليقين، و ليس هذا وصف الموقنين، لأن هذا اسمه هو اغترار باللّه تعالى، و غفلة عن الله تعالى، و جهل بأحكام الله تعالى. و قد تهدد الله تعالى قوما ظنوا مثل هذا، و أصروا على حب الدنيا و الرضا بها، و تمنوا المغفرة على ذلك، فسماهم خلفا، و الخلف: الرديء من الناس، و توعدهم بشديد البأس في قوله عزّ و جلّ: فَخَلَفَ من بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا [الأعراف: ١٦٩] و الأخبار في حقيقة الرجاء تزيد المغترين اغترارا و تزيد المستدرجين بالستر و النعيم خسارا، و هي مزيد للتوابين الصادقين، و قرة عين المحبين المخلصين، و سرور لأهل الكرم و الحياء، و روح ارتياح لذوي العصمة و الوفاء،