قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨١ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
ثم قال تعالى: ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً [آل عمران: ٤١] فلما لم يكن اليوم ينفك عن ليلته و الليلة لا تنفك عن يومها أخبر عن أحدهما بالآخر لأن أحدهما يشبه الآخر مندرج فيه، و لا يظهر إلا أحدهما بحكمة الله تعالى و قدرته لتفاوت أحكامه فيهما، و افتراق إنعامه بهما، فإذا ظهر النهار اندرج الليل فيه بقدرته تعالى، و إذا ظهر الليل استتر النهار بحكمه تعالى، و هو حقيقة إيلاجه أحدهما في الآخر، و تحقيق تكويره أحدهما على صاحبه. فكذلك حقيقة الرجاء و الخوف في معاني الملكوت إذا ظهر الخوف كان العبد خائفا، و ظهرت عليه أحكام الخوف عن مشاهدة التجلي بوصف مخوف، فسمّي العبد خائفا لغلبته عليه و بطن الرجاء في خوفه، و إذا ظهر الرجاء كان العبد راجيا و ظهرت منه أحكام الرجاء عن مشاهدة تجلّي الربوبية بوصف مرجوّ فوصف العبد به لأنه هو الأغلب عليه و بطن الخوف في رجائه لأنهما وصفان للإيمان كالجناحين للطير. فالمؤمن بين الخوف و الرجاء كالطائر بين جناحيه و كلسان الميزان بين كفتيه و منه قول مطرف: لو وزن خوف المؤمن و رجاءه لاعتدلا فهذا أصل في معرفة حقيقة الرجاء و صدق الطمع في المرجوّ. فللمؤمنين في اعتدال الخوف و الرجاء مقامان، أعلاهما مقام المقرّبين، و هو ما حال عليهم من مقام مشاهدة الصفات المخوفة و الأخلاق المرجوّة، و الثاني مقام أصحاب اليمين و هو ما عرفوه من بدائع الأحكام و تفاوت الأقسام. من ذلك أنه أنعم سبحانه و تعالى على الخلق بفضله عن كرمه اختيارا لا إجبارا. فلما أعلمهم ذلك رجوا تمام النعمة من حيث ابتداؤها. و من هاهنا طمع السحرة في المغفرة لما ابتدءوا بالإيمان فقالوا: إنّا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا إن كنّا أول المؤمنين. أي من حيث جعلنا أوّل المؤمنين من هذا المكان نرجو أن يغفر لنا بأن جعلنا مؤمنين به فرجوه منه. و قد ذم الله تعالى عبدا أوجده نعمة ثم سلبها فأيس من عودها عليه فقال تعالى: وَ لَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ [هود: ٩] ثم استثنى عباده الصابرين عليه الصالحين له فقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [هود: ١١]. و روي أن لقمان عليه السلام قال لابنه خف الله تعالى خوفا لا تأمن فيه مكره، و ارجه رجاء أشدّ من خوفك. قال: و كيف أستطيع ذلك و إنما لي قلب واحد؟ قال: أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما، و يرجو بالآخر؟ و المعنى أن الخوف و الرجاء وصف الإيمان لا يخلو منهما قلب مؤمن، فصار كذي قلبين حينئذ ثم إن الخلق خلقوا على أربع طبقات، في كل طبقة طائفة فمنهم من يعيش مؤمنا و يموت مؤمنا. فمن هاهنا رجاؤهم لأنفسهم و لغيرهم من المؤمنين، إذ قد أعطاهم فرجوا أن يتمّ عليهم نعمته و أن لا يسلبهم