قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٩ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
إخوانا. و كذلك قال: إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين. و هؤلاء ليسوا أمثالهم في الخلقة و لا بينهم أبوة و لا أمومة لأن الشياطين من ولد إبليس و المبذرين أولاد آدم عليه السلام، و لكن تشابهت قلوبهم في المواجيد و الأخلاق و الأفعال. فآخى بينهم للتشابه. فمن كان من علماء الآخرة فعقله يستضيء من أنوار قلبه و فهمه ينبئ عن استنباط علمه و مشاهدته و أخلاقه على معاني يقينه و قوته و طريقه و سلوكه في منهاج سنته و سبيله فهو من إخوانه و إخوان النبيين الذين اشتاق إلى رؤيتهم رسول الله صلّى الله عليه و سلم و هم الغرباء بين الملإ الذين قال بدا الإسلام غريبا و سيعود غريبا فطوبى للغرباء قيل: و من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس. و في لفظ آخر الذين يصلحون ما أفسده الناس من سنتي و الذين يحيون ما أمات الناس من سنتي يعني أنهم يظهرون طريقته التي تركها الناس و جهلوها. و في خبر آخر: هم المتمسكون بسنتي و ما أنتم عليه اليوم. و في حديث آخر: الغرباء ناس قليلون صالحون بين ناس سوء كثيرين من يبغضهم أكثر ممن يحبهم، فهؤلاء الغرباء الذين قد أنعم الله عليهم بمرافقة النبيين في أعلى عليين فقال مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين إلى قوله رفيقا. و قد كان الثوري يقول: إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مخلط. و قال أيضا إذا رأيت الرجل محببا إلى إخوانه محمودا في جيرانه فاعلم أنه مراء. و قد وصف الله تعالى علماء السوء بأكل الدنيا بالعلم و وصف علماء الآخرة بالخشوع و الزهد فقال تعالى في علماء الدنيا: وَ إِذْ أَخَذَ الله مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا به ثَمَناً قَلِيلًا [آل عمران: ١٨٧]. و قال في نعت علماء الآخرة: وَ إِنَّ من أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [آل عمران: ١٩٩]. إلى قوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [آل عمران: ١٩٩]. و قد روينا عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه و سلم: علماء هذه الأمة رجلان، فرجل آتاه الله علما فبذله للناس و لم يأخذ عليه طمعا و لم يشتر به ثمنا فذاك يصلي عليه طير السماء و حيتان الماء و دواب الأرض و الكرام الكاتبون يقدم على الله تعالى يوم القيامة سيدا شريفا حتى يرافق المرسلين، و رجل أتاه الله تعالى علماً في الدنيا فضنّ به عن عباد الله عزّ و جلّ و أخذ عليه طمعا و اشترى به ثمنا يأتي يوم القيامة ملجما بلجام من نار ينادي مناد على رءوس الخلائق: هذا فلان بن فلان آتاه الله تعالى علما في الدنيا فضنّ به على عباد الله تعالى و أخذ عليه طمعاً و اشترى به ثمنا يعذب حتى يفرغ من حساب الناس. و من أغلظ ما سمعت فيمن أكل الدنيا بالعلم ما حدثونا عن عتبة بن واقد عن عثمان بن أبي سليمان قال: كان رجل يخدم موسى صلّى الله عليه و سلم فجعل يقول: حدثني موسى صلّى الله عليه و سلم و حدثني موسى نجي