قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥١ - بيان آخر في فضل علم الباطن على الظاهر
المعرفة و المعاملة دون سائر علوم الفتيا و الأحكام. إنهم يقولون من عمل بعلمه و يذكرون العمل بالعلم و يصفون جملته بالخشية و الخشوع فهذا إنما هو علم القلوب لا علم اللسان الذي يكون به العلم و لا تتأتى عنه المعاملات من أعمال الإيمان مثل أعمال القلوب التي هي مقامات اليقين و صفات المتقين و مثل أعمال الجوارح من الصالحات التي هي مزيد الإيمان و الذين أربابها أهل الفقر و الزهد و ذو التوكل و الخوف و أصحاب الشوق و المحبة و ليس يعنون أن يكون الإنسان إذا علم علم الأحكام و القضايا عمل بها و التزم الدخول في أحكامها ليعامل منها مثل أن يطلب القضاء فيقضي بين الناس إذا كان عالما به أو يقتني المال و يدخل في البيع و الشراء إذا كان عالما بالزكوات و البياعات أو يتزوج النساء و يطلق لأنه عالم بالنكاح و الطلاق ليكون بهذه الأشياء عاملا بعلمه. هذا ما قاله أحد بل قد روي في كراهة ذلك و ذمه ما يكثر ذكره. و أهل هذه العلوم موصوفون بالرغبة في الدنيا و الحرص على جمعها و يلابسون الأمراء فيعاملون لهم فبطل أنهم هم المعنيون بالعلم الموصوفون بالخشوع و الزهد. و مثل ذلك أيضا تفضيل الجمهور من السلف العلم على العمل و قولهم ذرة من علم أفضل من كذا من العمل و ركعتان من عالم أفضل من ألف ركعة من عابد. و حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: فضل العالم على العابد كفضلي على أمتي. و الخبر المشهور: كفضل القمر على سائر الكواكب. و قول ابن عباس و سعد. و قد روينا مسندا: عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد و كذلك قيل في موته أحب إليه من موت ألف عابد إنما يعنون بذلك العلم بالله تعالى أفضل من العمل لأن العلم باللّه تعالى وصف من الإيمان و معنى من اليقين الذي لم ينزل من السماء أعزّ منه فهو لا يعادله شيء لا يصح عمل و لا يقبل إلا به و لأنه معيار الأعمال كلها على وزنه تتقبل الأعمال قبولا حسنا بعضه أحسن من بعض و يثقل في الميزان ثقلا فوق ثقل و يرفع به العاملون في درجات عليين بعضها من بعض. و قد قال تعالى: وَ لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ [الأعراف: ٥٢]. ثم قال: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ [الأعراف: ٧]. و قال تعالى: وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ [الأعراف: ٨] فما كان العائد منه إلى الربوبية أقرب كان أفضل و العمل وصف العامل و حكم العبودية لا أنهم يعنون العلم بالفتيا و الأحكام و القضاء التي هي أماكن الخلق عائدة عليهم أفضل من معاملات الله سبحانه و تعالى بالقلوب من مقامات التوكل و الرضا و المحبة التي هي معاينة اليقين الذي هو مقام المقربين هذا لا يقوله عالم. و قد روينا عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: