قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢٠ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
قال: بلى. قلت: فيكفيهما ذلك. و قال بعض العارفين قال: سألت بعض الأبدال عن مسألة من مشاهدة اليقين فالتفت إلى شماله و قال: ما تقول رحمك الله ثم التفت إلى يمينه فقال ما تقول رحمك الله ثم أطرق إلى صدره و قال: ما تقول رحمك الله ثم أجابني بأغرب جواب ما سمعته قط و أعلاه فقلت رأيتك التفتّ عن شمالك و يمينك ثم أقبلت على صدرك فما ذا؟ فقال: سألتني عن مسألة لم يكن عندي فيها علم عتيد فالتفت إلى صاحب الشمال فسألته عنها و ظننت أن عنده منها علما فقال: لا أدري فسألت صاحب اليمين و هو أعلم منه فقال: لا أدري فنظرت إلى قلبي فسألته فحدثني بما أجبتك و إذا هو أعلم منها. و قد كان أبو يزيد و غيره يقولون: ليس العلم الذي يحفظ من كتاب الله فإذا نسي ما حفظ صار جاهلا إنما العلم الذي يأخذ علمه من ربه عزّ و جلّ أي وقت شاء بلا تحفظ و لا درس فهذا لعمري لا ينسى علمه و هو ذاكر أبدا لا يحتاج إلى كتاب و هو العالم الرباني و هذا هو وصف قلوب الأبدال من الموقنين ليسوا واقفين مع حفظ إنما هم قائمون بحافظ. و قد روينا في الخبر: إن من أمتي محدثين و مكلمين و إن عمر منهم و قرأ ابن عباس: و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي و لا محدث يعني الصديقين و هذا كان طريق السلف من الصحابة و خيار التابعين إذا سئلوا وفقوا و ألهموا الصواب لقربهم من حسن التوفيق و سلوكهم حقيقة محجة الطريق فخاطر اليقين إذا ورد على قلب مؤمن اضطرته مشاهدته إلى القيام به و إن خفي على غيره و حكم عليه بيانه و برهانه بصحة دليله و إن التبس على من سواه. و قد قال الله تعالى في تخصيص الموقنين: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة: ١١٨] هذا بصائر للناس و هدى و رحمة لقوم يوقنون. و قال في نعت المتقين: وَ ما خَلَقَ الله في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ [يونس: ٦] و قال تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨] و قال في فضل العلماء: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت: ٤٩] و قال: قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأنعام: ٩٧] فحقيقة العلم إنما هو من التقوى و اليقين و هذا هو علم المعرفة المخصوص به المقربون وهب لهم الآيات و خصهم بالبيان و الدلالات بما استحفظوا من كتاب الله و كانوا عليه شهداء. فهذه الخواطر تبدو في القلوب عن هذه الأواسط التي هي خزائن الله تعالى من خزائن الأرض و للَّه خزائن السموات و الأرض و لكنّ