قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٠ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
في خزانة الجسم إذ كان مكانا للتكليف و موضعا للتصريف و سببا للتعريف العائد من معاني ذلك على صورة العبد من لذة النعيم أو عذاب أليم فلم يكن العقل غائبا فيكون العبد عن العقل ذاهبا و لم تكن الشهوة عازبة فتكون النفس مفقودة إذ في ذلك تضعيف لحجة الله تعالى عليه و وهن لبرهانه لأن العقل شاهد الحجة و الشهوة في النفس مكان البلوى و النية في القلب طريق الحجة و ذلك أصل سبب عود جزاء الأمر و النهي فالعقل مطبوع على التمييز مجبول على التحسين و التقبيح و النفس مجبولة على الشهوة مطبوعة على الأمر بالهوى و هذا نصيبهما من عطائه و هداه لهما إلى رشاده و إغوائه و خطهما من الكتاب و قسمهما من ولي الأسباب. كما قال تعالى في أحكام ما ذكرناه تكملة لما أخبرنا عما سبق في علمه: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى و قال تعالى: أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ من الْكِتابِ [الأعراف: ٣٧] و قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ من تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَ يَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ [الحج: ٤] و الخاطر السادس هو خاطر اليقين و هو روح الإيمان و مزيد العلم يردان إليه و يصدران عنه و هذا الخاطر مخصوص بخصوص لا يجده إلا الموقنون و هم الشهداء و الصديقون لا يرد إلا بحق و إن خفي وروده و دق و لا يقدح إلا بعلم اختيار لمراد مختار و إن لطفت أدلته و بطن وجه الاستدلال به و لكن ليس يخفى هذا إلا الخاطر على مقصود به و مراد له و هم الذين وصفهم الله تعالى بالذكرى. و رد الرسول صلّى الله عليه و سلم إليهم الفتيا فقال سبحانه: إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ق: ٣٧]. أي من تولى الله حفظ قلبه. و قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: ما حاك في صدرك فدعه و الإثم حواز القلوب يعني ما يؤثر فيها فيحزها لرقتها و صفائها و لينها و لطفها و قال للرجل الذي سأله عن البر و الإثم و هما أصلا أعمال الخير و الشر استفت قلبك و ان أفتاك المفتون أي أن المتقين يعلمون معاني التأويل و الرخصة عن علمهم العلانية و أنت على علم فوقهم مطالب بالتحقيق و العزيمة عن علمك السر و أهل الظاهر أيضا يعلمون حكم الله تعالى الظاهر عن علم اللسان الظاهر الذي هو حجة على أهل العلم الظاهر و قلبك فقيه منوّر بالإيمان تنظر به أو ينطق به حكم الله تعالى الباطن عن علم القلب الباطن الذي هو حقيقة الإيمان و منفعته لأهل العلم الباطن و لا يصلح أن يرد رسول الله صلّى الله عليه و سلم سائلا إلا إلى فقيه فلو لا أن علم القلب هو حقيقة الفقه ما ردّ صاحبه من فتى أهل الظاهر إليه و لا حكم على المفتين به فقد صار علم القلب هو علم العلم إذ جعله الرسول صلّى الله عليه و سلم قاضيا على المفتين بالحكم و صار عالم الباطن هو عالم العلماء إذ لم يسعه تقليد العلماء. و في الحديث الآخر: البر ما اطمأن إليه القلب و سكنت إليه النفس و إن أفتوك و أفتوك فهذا وصف قلب مكاشف