قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠٩ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
[الأعراف: ١٧١] و أخبر أنه أظهر البيان للتقوى في قوله: كَذلِكَ يُبَيِّنُ الله آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٧] و قال تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار: ٦- ٧] و قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] و قال: وَ من كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩] فمن السواء و التعديل و الازدواج و التقويم أدوات الظاهر و أعراض الباطن و هي حواس الجسم و القلب. فأدوات الجسم هي الصفات الظاهرة و أعراض القلب هي المعاني الباطنة قد عدلها الله تعالى بحكمته و سواها على مشيئته و قومها إتقانا بصنعته و إحكاما بصنعه، أولها النفس و الروح و هما مكانان للقاء العدوّ و الملك و هما شخصان ملقيان للفجور و التقوى، و منها غرضان متمكنان في مكانين و هما العقل و الهوى عن حكمين في مشيئة حاكم و هما التوفيق و الإغواء، و منها نوران ساطعان في القلب عن تخصيص من رحمة راحم و هما العلم و الإيمان. فهذه أدوات القلب و حواسه و معانيه الغائبة و آلاته، و القلب في وسط هذه الأدوات كالملك، و هذه جنوده تؤدي إليه أو كالمرآة المجلوّة و هذه الآلة حوله تظهر فيراها و يقدح فيه فيجدها. فتفصيل ذلك على الإيجاز أن جمل الخواطر ستة: هي حدود القلب و قوادحه من ورائها خزائن الغيب و ملكوت القدرة و هي جنود الله تعالى عتيدة و سلطان منه مبين و القلب خزانة من خزائن الملكوت قد أودعه مقلبه من لطائف الرغبوت و الرهبوت و شعشع فيه من أنوار العظمة و الجبروت ما شاء لأهل الرفيق الأعلى و ذوي الملكوت الأدنى فأوّل التفصيل خاطر النفس و خاطر العدوّ و هذان لا يعدمهما عموم المؤمنين و هما مذمومان محكوم لهما بالسوء لا يردان إلا بالهوى و ضد العلم و خاطر الروح و خاطر الملك و هذان لا يعدمهما خصوص المؤمنين و هما محمودان لا يردان إلا بحق و بما دل عليه العلم و خاطر العقل و هو متوسط بين هذه الأربعة يصلح للمذمومين فيكون حجة على العبد لمكان تمييز العقل و تقسيم المعقول لأن العبد يدخل في هواه بشهوة جعلت له و اختيار لا يعسر عليه من حيث لا يعقل و لا إجبار و يصلح أيضا للمحمودين فيكون شاهدا للملك و مؤيدا لخاطر الروح و يثاب العبد في حسن النية و صدق المقصد و إنما كان خاطر العقل تارة مع النفس و العدوّ و تارة مع الروح و الملك حكمة من الله تعالى لصنعته و إتقانا لصنعه ليدخل العبد في الخير و الشر بوجود معقول و صحة شهود و تمييز فيكون عاقبة ذلك من الجزاء و العقاب عائدا له و عليه إذ قد جعل سبحانه هذا الجسم مكانا لجريان أحكامه و محلا لنفاذ مشيئته في مباني حكمته كذلك جعل العقل مطية للخير و الشر يجري معهما